بشار الكيماوي… بقلم ماجد عزام

52

ثمة أوجه شبه كما أوجه اختلاف بالطبع بين استخدام السلاح الكيماوي من قبل بشار الكيماوي والعصابة المتوحشة، بقايا دويلة المسلخ البشري في الغوطة في آب أغسطس 2013، وفي خان شيخون نيسان/ أبريل 2017، مع الانتباه إلى أن العصابة المتوحشة لم تتوقف يوماً عن استخدام هذا السلاح، ولكن بشكل محصور أو ضيق أكثر ورغم أوجه التباين والتشابه، إلا أن الاستنتاج أو المحصلة العامة هي نفسها العصابة فاقدة للشرعية، وهي لا تملك أي فرصة للبقاء أو الانتصار في مواجهة الشعب السوري الثائر الذي حطّم جدار الخوف، وكسر حاجز الصمت في مارس/ آذار 2011.

في الغوطة استخدمت العصابة السلاح الكيماوي بعد سنتين ونصف تقريباً على اندلاع الثورة، بعد تجريب حزمة من الوسائل والأساليب الإجرامية من القتل إلى التهجير الاغتصاب البراميل المتفجرة، وحتى صواريخ السكود الثقيلة وبعيدة المدى، وطبعاً بعد استقدام الحشد الشعبي الإجرامي من لبنان، ثم من العراق أفغانستان وباكستان، وكل ذلك لم يؤد إلى كسر الثورة أو حتى حماية النظام من السقوط، وكان استخدام السلاح الكيماوي في الغوطة بمثابة الطلقة الأخيرة آنذاك في جعبة العصابة الساقطة رغم أن زعيم الحشد الشعبي اللبناني كان تبجح في لقاء له مع المبعوث الروسي ميخائيل بوغدانوف –الحياة 23 حزيران يونيو العام نفسه-بنجاحه في منع دخول الثوار إلى دمشق وإزاحة بقايا العصابة بشكل نهائي.

رغم تجاوز العصابة للخط الأحمر المرسوم من قبل إدارة أوباما، إلا أن القوى الدولية الداعمة للنظام أو المستفيدة من وجوده هبت لإنقاذه فنسجت إسرائيل عبر سفارتها في واشنطن صفقة الكيماوي الشهيرة وأيّدتها إدارة أوباما التي كانت بصدد تقديم الشام وحتى العراق – لبنان واليمن لإيران مقابل صفقة مشروعها النووي، وفهمت العصابة أو بقاياها بالأحرى مغزى الصفقة كما ينبغي لجهة القدرة على استخدام أسلحة القتل والتدمير الأخرى، وحتى الكيماوي ولكن بجرعات محدودة رغم أن قصة بقائه باتت من تلك اللحطة أسيرة التفاهم الأمريكي الروسي الإسرائيلي بعدما كانت أسيرة طهران وحشودها الطائفية الحاقدة الموتورة والإجرامية.

رغم ذلك، ورغم الدعم الأمريكي الروسي للنظام، ورغم حجب ومنع الدعم الحقيقي عن الثوار، حتى قبل ظهور داعش والنصرة، ورغم الفرق الهائل في موازين القوى، واستمرار عاصمة الشر الإقليمية طهران في جلب حشودها المهووسين والموتورين، ورغم استخدام الكيماوي نفسه في الغوطة، ثم بجرعات وكميات أقل إلا أن الشعب السوري كان على وشك، وكان قادر كما هو دوماً على إزاحة بقايا العصابة نهائياً لولا التدخل والاحتلال الروسي في نهاية أيلول 2015.

بعد تطبيق الخيار الشيشاني، والجرائم الموصوفة التي ارتكبتها روسيا في سوريا، إلا أن استخدام الكيماوي مرة أخرى في خان شيحون، وعلى نطاق واسع من قبل بقايا عصابة المسلخ البشري المتوحشة يثبت أن الانتصار المستحيل لم يتحقق، ولن يتحقق، بأسلحة تقليدية بما فيها البراميل المتفجرة والأرض المحروقة، وسلاح التجويع والحصار وأن وهم أو إجرام سلاح الدمار الشامل وحده قادر على جلب الانتصار وفرض الهزيمة والخنوع على الشعب، وفق ما يتصور أصحاب الخيال المريض والنفسية الإجرامية للعصابة ورعاتها في موسكو وطهران.

استخدام الكيماوي في المرة الأولى في الغوطة جلب بقاء النظام من إدارة أوباما – نبقى رجلهم في الشام – واستخدامه في خان شيخون كان في أحد أوجهه تعبير عن هذا المعطى، كما ترجمة للكلام الأخير من إدارة ترامب ومجاراة بعض عواجيز أوروبا له في غض النظر عن النظام، أو في الحد الأدنى عدم اعتبار إزاحته أولوية، والتركيز على هزيمة داعش في أكذوبة أو مأساة كبرى كون داعش هي صنيعة النظام، وهو من ساهم مباشرة في تقوية التنظيم وتشجيعه على إقامة دويلته، وهو نفس ما فعله شبيه أو شبيهة النظام أي حكومة الممانعين الجدد في المنطقة الخضراء في بغداد، التي عادت على ظهور الدبابات الأمريكية دبابات الاحتلال، وهي بقيت في السلطة بفضل الاحتلال أو بالأحرى الاحتلاين الأمريكي والإيراني، ثم تتكلم الان مع أبواقها وحشدها الشعبي الإعلامي في بيروت وغير بيروت عن السيادة ورفض التدخل الأجنبي.

رد فعل واشنطن ترامب جاء مختلفاً هذه المرة ضمن حسابات بدا بعضها مفاجئاً لكن أهمها يتمثل برفض المؤسسة السياسية الأمنية الحزبية الامريكية سياسة الخنوع أو اللامبالاة والانكفاء التي اتبعتها إدارة أوباما تجاه المحتلين الروسي الإيراني لسوريا، وربما لشعور التحدي الصارخ الذي فرضه هذا الاستخدام الفظ الهمجي للسلاح الكيماوي وربما للرغبة في فرض قواعد لعب جديدة وإثبات الحضور الأمريكي القوى في القضية السورية ومنع النظام في المضي قدما في الخيار الشيشاني ولو على طريقته، وفي كل الأحوال جاءت الضربة الأمريكية المحدودة لتلجم النظام ولو مؤقتاً وتثير جنون رعاته ومشغليه في موسكو وطهران وتعريهم وتفضح حقيقة لعبهم أو إجرامهم بالأحرى وفق القواعد التي ترسمها واشنطن سواء أكانت هذه واشنطن أوباما أو واشنطن ترامب التي باتت تدار الآن من قبل المؤسسة الحزبية السياسية العتيقة بشقيها الجمهوري والديموقراطي الرافضة لانكفاء أوباما الكارثي وعدم ممانتعه تسليم المنطقة لطهران وحتى لموسكو حتى بعد حفظ مصالح واشطن الشهيرة الثلاث أي أمن اسرائيل حرية الملاحة في البحار والمضائق الإقليمية وحدود سايكس بيكو ولو شكلياً .

في كل الاحوال ببساطة واختصار بدا النظام – العصابة عارياً واستخدامه للسلاح الكيماوي جزء من الأزمة وليس الحل بالنسبة له، بعد الجريمة الجديدة بات بشار الكيماوي لا يملك أي فرصة للبقاء وطبعاً هو فاقد أصلاً أي احتمال بالانتصار لأنه ببساطة لن يستطيع قتل الشعب السوري كله ، وإذا كان ثمة جزء مهم أو قابل للبناء عليه في المأساة الجديدة فانه يتمثل ليس فقط بصمود الناس واصرارهم على الحياة وتحدي النظام وتعريته ، وانما تلاشى اى احتمال لإعادة تعويمه أو اعتباره جزء من الحل، حتى مع إيلاء الاهتمام لأولوية الحرب ضد تنظيم داعش صنيعة العصابة، والتي لا يمكن كسب الحرب ضده دون إزالة البيئة الحاضنة التي خلقها النظام-العصابة وبشار الكيماوي عن عمد منذ اليوم الأول لانطلاق الثورة وتملكه وهم أو بالأحرى وهما البقاء والانتصار.

المصدر: اورينت نت

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

تعليقات

جاري التحميل...