الليلة التي بدّلت حال “حمص” إلى الأبد … بقلم ثائر الطحلي

3٬513

مشهدٌ لا يزال حاضراً في ذاكرة كل حمصي، عندما ثار أهالي حمص على جلادهم في يوم كُتب بدم أهالي هذه المدينة الوادعة، ذلك اليوم الذي أغلقت فيه المدينة أبوابها بشكل كامل، فلا أسواق ولا محلات تجارية، الكل استجاب لنداء الحرية في الساحة الرئيسية والتي صبغت بعد ذلك باللون الأحمر بعد سقوط أعداد كبيرة من الشهداء والجرحى يهتفون بأعلى صوتهم “حرية حرية”.

في ذلك اليوم اختفت عناصر الأمن والشرطة من الشوارع، اختبأ الجميع خوفا من طوفان الحرية في شوارع العدية، بدأ الشباب بتنظيم الاعتصام وشكّلوا مجموعات لتوفير الطعام والشراب وتوزيعها على الناس، ثم تم وصل مكبرات الصوت والإضاءة بعد بناء عدد من الخيم للمعتصمين، كل حمص بشيبها وشبابها ونسائها وأطفالها بلا استثناء شاركت في هذا اليوم وكسرت حاجز الخوف لترسم لوحة من أجمل لوحات الثورة السورية.

لن أنسى تلك اللحظة، التي صعد فيها أحد الشباب وقام بتمزيق صورة بشار الأسد الموجودة فوق بناء البريد، كانت العيون تتجه إليه وتترقب تلك اللحظة، مزّقها بيديه لتعلو الهتافات والشعارات المطالبة بالحرية والرافضة للاستبداد بكافة أشكاله.

تلك الليلة كانت الفاصل في حياة المدينة، فمنذ ذلك اليوم لم تهدأ حمص أبداً، لا زلت أذكر كيف هبّ رجال حمص بعد إطلاق النار على المعتصمين في الساحة، هبّوا ودخلوا بين الأزقة والشوارع ليصلوا إلى الساحة علّهم ينقذوا من يمكن إنقاذه بعد إصدار الأوامر من قبل ضباط النظام في حمص بإطلاق النار بشكل مباشر على المعتصمين السلميين.

إحدى المعتصمات علّقت على الحدث “نسيت لوهلة ما يحدث في تلك الساحة، تركت حلمي وركضت للمشفى لأرى والدي واطمئن عليه، لم يكن وضع المشفى عادياً فقد وضع حاجز عند بابها وكان كل من يدخل إليها يفتش قبل دخوله ويُسأل عن سبب زيارته، لأول مرة رأيت داخل المشفى ما يسمى بالشبيحة، كانوا مدججين بالسلاح والشر يقطر من أعينهم، كان لابد لنا أن نغادر بعد الاطمئنان على صحة والدي ولم يبقى بجانبه سوى أخي شاهد العيان لما حدث داخل المشفى في تلك الليلة.. الليلة المميتة التي لم يخطر ببالنا أنها ستنتهي بتلك المأساة المفجعة”.

الساعة الثانية بعد منتصف الليل، المعتصمون ما زالوا في الساحة بعد تهديدات كثيرة وتضارب الأنباء عن نية الاقتحام، مئات الجنود من الفرقة الرابعة اجتمعوا عند نادي الضباط، دقائق معدودة وبدأ إطلاق الرصاص الجنوني الهستيري باتجاه الساعة، بدأ الجميع بالركض في جميع الاتجاهات وسط تساقط الكثير بسبب الرصاص المنهمر عليهم، وحتى في طريق العودة تولّت القناصات المنتشرة على المباني المرتفعة استهداف المعتصمين.

استيقظت حمص وسيارات الدفاع المدني تغسل دماء شهدائها والأمن ينظف الشوارع من جثث المعتصمين، وحتى اليوم هناك الكثير من المفقودين من ذلك الاعتصام لا يعرف مصيرهم، والتساؤلات كثيرة حول اعتقالهم أو قتلهم ودفنهم في مقابر جماعية، أعلنت حمص الحداد ثلاثة أيام إكراماً لشهداء المجزرة، بكت أحجار العدية السود أبطال الساعة وخلدت ذكراهم للأبد.

خاص – المكتب الإعلامي لقوى الثورة السورية

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

تعليقات

جاري التحميل...