الوحشية ذات مؤقتة للسوريين.. بقلم زويا بوستان

* زويا بوستان: صحفية سورية عملت في الصحافة السورية المرئية والمسموعة والمكتوبة منذ ١٩٩٨. وعملت في الإعلام السوري البديل منذ بداية الثورة السورية.

508

لا نتوقف عن طرح تساؤل يومي يلح على أنفسنا، يقول: لماذا يؤذي سوري سورياً آخر بهذه القسوة، رغم أن الاثنين قد مورس عليهما العنف ذاته من قبل النظام أو من قبل أشباهه؟ وتتبعه أسئلةٌ أخرى؛ لماذا أصبح السوريون حتى خارج سوريا فرقاً تقاتل فرقاً في العمل، وفي طوابير الإغاثة، وفي صفحات التواصل الاجتماعي، وفي سياق العلاقات الاجتماعية؟

سيقول البعض محاولاً الإجابة بأنها ليست حالة عامة أو راسخة، وبأن من شأن أي حرب أن تترك أثرها العنيف في نفوس أصحابها، ومعايشيها، والمتضررين منها.

ولكن هذا الوصف المتعجل البسيط لن يساعدنا في تعريف المشكلة، ولا في تحليلها تحليلاً دقيقاً، نخرج منه بنتيجة وفهم حقيقي لطبيعة تغيرنا خلال ست سنوات من الثورة، والعنف الشديد الذي بدأه النظام منفرداً باستخدام أشد الأدوات فتكاً وهتكاً وتنكيلاً، ابتداءً من السلاح بكل أنواعه، وليس انتهاءً بالإعلام، أداته المفضلة للترويج لتوحشه، وقد تبعه في ذلك بمنهجية فريدة تنظيم داعش صنوه في الوحشية وترهيب الآخر، ليصيغا مع بعضهما بالتوازي عوالماً كاملةً من الرعب الجاهز للبث أرضاً وجواً وافتراضاً.

أين سيذهب كل هذا العنف؟
في هذا الإطار نتحدث عن مشاهد القصف اليومي وعلى مدار الساعة للبيوت والبشر على حد سواء، وعن عشرات الفيديوهات (المسربة) لشبيحة النظام يقطّعون أجساداً بشرية ويسحلونها مقهقهين فوقها، ولا ننسى الأفلام الدموية المصنعة في “استديوهات” داعش، والتي أصبحت جزءاً لا يتجزأ من الذاكرة الحاضرة للسوريين، وقد شكلت بداية تصاعد حقيقي للخطاب الطائفي المتبادل، الغاضب المشحون بجرعات عالية من الكراهية للآخر!

هذا التوحش المنعكس لم يقتصر على الخطاب الطائفي للسوريين، بل انسحب أيضاً وخاصة في الآونة الأخيرة، على الكثير من الممارسات اليومية الواقعية والافتراضية كأداة تعبير وتجسيد لأجزاء من الذات السورية المشوشة، والتي أصبحت تعكس ما يشبه تماهياً لا واعياً مع الظالم القامع وشبيحته، تفسره حالة الإحباط العام للسوريين، وتكاثر الفراغات في خانة الأجوبة التي كان من المفترض أن تحمل في طياتها حلولاً ومخارج للأسئلة الصعبة التي فرضتها الثورة، وفرضها أيضاً العنف الشديد الذي جوبه به جمهورها، ما أدى إلى انتقالها صوب عتبتها المسلحة.

ومثلما فعل انتشار السلاح في أيدي السوريين على امتداد الرقعة الجغرافية السورية، وكذلك استعراض القوة المفرط على الأرض، وفي الأجواء السورية لجماعة الأسد، في صناعة بؤر الوحشية التي باتت تتحكم في حياة السوريين، نرى كيف ساهمت المجابهات الواسعة بين جماهير السوريين على صفحات الفيسبوك، في نقل الوحشية من السياق الواقع الحياتي المعاش إلى ما يوازيه في العالم الافتراضي، إذ برز لدى شرائح مختلفة سعي محموم لإيذاء الآخر، وباتت هذه الشرائح أشبه بالفصائل العسكرية ذاتها، وبينما كان السلاح هو اللغة التي تتعاطى من خلالها مع الآخر في الواقع، صارت لغة التخوين، والتشكيك، والكراهية، هي أداة الصراع في مواقع التواصل الاجتماعي.

لينقسم الجميع في طوابير ميليشياوية عنيفة تقوم على مبدأ “أنا أو الآخر”، مسترسلين في إيذاء بعضهم إلى درجة الإلغاء من خلال فعل الإعدام المعنوي، ما أدى في المحصلة إلى خسارة الجميع للصورة الأولى التي ظهروا من خلالها في السنة الأولى للثورة وإلى تكريس الإحباط المتعاظم لدى السوريين نتيجة فشل المشاريع السياسية، والإعلامية، وغيرها.

لا يمكن فهم الطبيعة الوحشية التي تحكم صراعات السوريين فيما بينهم على صفحات التواصل الاجتماعي دون إعادة قراءة أثر العنف وتراكم صوره وحوادثه في الوعي العام الذي خلقته سياسات النظام منذ بداية 2011 وحتى الآن.

إذ إن إحالة كل حادثة إلى الفاعلين فيها دون ربطها بالسياق العام يجعل من التاريخ اليومي للعنف محمولاً على مسؤولية الأفراد الذين يساهمون فيه، وبالتالي فإن هذا سيجعل النظام بريئاً لا يتحمل وزر ما جرى ويجري. بينما تكشف الوقائع ومنذ اللحظة الأولى للثورة أن الوحشية كانت مبدأ عمل الأجهزة الأمنية، من أجل جر الثائرين إلى عتبة العنف، أي إلى حيث برع النظام ويبرع دائماً.

نحن بحاجة إلى إعادة كتابة تاريخ العنف والوحشية في سوريا ولا سيما في العقود الأخيرة التي حكم فيها البعثيون البلاد، ما سيؤدي في السياق إلى البحث في طبيعة أشياء كثيرة كانت تجري تحت مسمع ومرأى الجميع.

فمن المدرسة، إلى الجامعة، إلى خدمة العلم الإلزامية (على سبيل المثال لا الحصر) كان النظام يحطم ذات السوري ويشوه ما تبقى منها، وكان هذا الفعل يتكرر بأشكال أخرى في المؤسسات والدوائر الرسمية للدولة.

فهل يستطيع السوري أن يجد تفصيلاً من ذاكرته غير مشبع بعنف دولة الأسد ضده وهل سينجح في التعافي والخروج من أفخاخ الوحشية خاصة في
ظل انعتاقه الحالي من الانصياع الأعمى والقسري للدولة العنيفة ولا سيما أولئك الذين غادروا وطنهم ليستقروا في المنافي، وليعيشوا في مجتمعات رسخت فيها الديمقراطية منذ عقود؟

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

تعليقات

جاري التحميل...