الأسد ونيزك السوريين.. بقلم مالك داغستاني

*مالك داغستاني: كاتب وصحفي سوري. معارض ومعتقل سابق. له رواية "دُوار الحرية". مراسل سابق لمجلة "هاي ماغازين" وجريدة الشرق.

561

ليس هناك أشد غرابة من التحولات التي عاشها السوريون وهم ينتقلون من أشد حالات الأمل إلى أقصى حالات اليأس والإحباط وفقدان أي أمل، منذ انطلاقة ثورتهم ربيع عام ٢٠١١ وصولاً إلى يومنا هذا. ولن تتأتى تلك الغرابة فقط من التحولات بالمشاعر ذاتها، بل ستغدو أشد وضوحاً حين نحاول التفكر والخوض في حواملها.

خرج السوريون إلى ثورتهم أول ما خرجوا بحذر العارف بتاريخ السلطة المغرق في الجريمة، فقد خبروا السلطة في أكثر من محطة سابقة، خاصة في مطلع الثمانينات حين لمسوا لمس اليد أن سلطة الأسد لن يرف لها جفن وهي تدمر المدن وترتكب المجازر بحق الأبرياء حين ستشعر بأي تهديد لوجودها في موقعها، عدا عن معرفتهم بأن سجون ومعتقلات هذه السلطة لطالما كانت ممتلئة لحد الإشباع بسوريين خطر لهم في يوم ما، أن يهمسوا بمعارضتهم.

إلا أنه ورغم هذه المعرفة، فمع تتالي الأيام راح السوريون يتلمسون طريق اكتشاف شجاعتهم أكثر، هي بالحقيقة شجاعة لم يكونوا يعلمون عن وجودها قبل ذاك التاريخ، وهنا يبدأ استشعار الغرابة.

شعب لا يملك أي من مقومات القوة ولا حتى التنظيم راح يراهن على القوة بشجاعته وقدرته على التضحية. على قوةٍ متخيلة كانت تستند ولو جزئياً على تغيرات الزمن دولياً، قوة جعلت قادة الحراك الشباب في المدن والقرى يستثمرون في ذاك الأمل والشجاعة الوليدة لإقناع مزيد من السوريين بالانخراط في انتفاضة راحت يوماً بعد يوم تعم كامل الجغرافيا السورية تقريباً.

كانوا سوريين اكتشفوا للتوّ وراهنوا على قوة لا يملكونها، بمقاييس موازين القوى التقليدية والبديهية المعروفة.

لكن وبالمقابل، وللغرابة أيضاً، بدا أن النظام لم يراهن إطلاقاً على فائض القوة التي كان يملكها حقيقةً، لكي يقدم لمؤيديه ما يطمئنهم بقدرته على الصمود، بل على العكس تماماً، راهن نظام الأسد على الخوف.

نعم راح النظام يبث الخوف في بيئات يعتقد أنه يستطيع الاستثمار فيها، الخوف من مصير جحيمي ينتظر مؤيديه فيما لو انتصر الأعداء، والأعداء هنا هم عموم السوريين المخيفين المنخرطين في مؤامرة اقليمية ودولية تستهدف الوطن وبخاصة أقلّياته.

سيبدو الأمر اليوم أشبه بكوميديا سوداء عندما نتذكر أن السوريين راحوا يمارسون (قوتهم) بالتظاهر والغناء والرقص وتقديم الشهداء، بينما انطلقت قوات أمن الأسد وطلائع ما سيعرف فيما بعد بالشبيحة لتمارس (خوفها) باعتقال المتظاهرين وقتلهم يومياً في الشوارع. فأي غرابة أشد من هذا؟

لكن ماذا لو انقلبت الرهانات اليوم بعد أن وصلنا إلى ما وصلنا إليه؟ أي ماذا لو عاد السوريون ليستثمروا في ضعفهم الحقيقي أمام قوة وجبروت سلطة اكتشف العالم مدى إجرامها طوال سنوات (طبعاً دون أن يقدم هذا العالم على فعل ما من شأنه أن يغير شيئاً في معادلات الأرض)؟ ماذا لو استطاع السوريون (الشعب السوري) أن يجترحوا معادلة جديدة لمواجهة السلطة بعيداً عن التمثيلات السياسية والعسكرية الراهنة.

هكذا، شعب ضعيف معتقلوه في السجون، وقتل منه ما يقارب المليون إنسان، وهُجِّر أضعافهم، بمواجهة سلطة القوة التي تمارس الإجرام العاري مستخدمة كل صنوف الأسلحة.

معادلة لو تم اجتراحها ستكون أشد وضوحاً من العبث والمراهقة التي انغمست فيها كافة التمثيلات السياسية خلال السنوات الدموية الماضية.

هل هذا التصور رومانسي في عالم المعادلات المعقدة؟ نعم، بالتأكيد هو كذلك. ومع ذلك، وفي الحالة العبثية من انسداد أي أفق لحل قادم، سيبدو أنه يمكن بالجهد والمثابرة تظهيره على شكل حركة سورية عامة في يوم ما. يقودها أولئك السوريين الشباب، شجعان السنوات الأولى، المصابون اليوم بانعدام الأمل.

رغم أنهم ومع يأسهم ذاك (يا للغرابة أيضاً) مازالوا يغنون في تجمعاتهم الطارئة في شتاتهم الجغرافي “جايينك جايينك، لا ترحل جايينك”.

بينما يتبادلون فيما بينهم في مجالسهم وحتى عبر وسائل التواصل، الحديث عن (أملٍ) سوري جديد ومبتكر، يتمثل بانقضاض نيزك قادم من الفضاء ليقتلع الكرة الأرضية بكل ما تحمله من شرور، وليخلصهم من حال الذل الذي يعيشونه، ومن حالة تلاشي الهوية الوطنية.

خاصة وهم يستجدون بذلٍّ على أرصفة السفارات السورية في دول الإقليم كي تمنَّ عليهم (ما يفترض أنها قنصلياتهم) بأوراق تثبت سوريتهم وسورية أطفالهم. حسناً قدوم النيزك أمل ربما مشروع في الحالة السورية القاتمة، ولكن ماذا لو تأخر النيزك؟

خاص – المكتب الإعلامي لقوى الثورة السورية

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

تعليقات

جاري التحميل...