حدثَ.. لم يحدث في سوريا.. بقلم مالك داغستاني

*مالك داغستاني: كاتب وصحفي سوري. معارض ومعتقل سابق. له رواية "دُوار الحرية". مراسل سابق لمجلة "هاي ماغازين" وجريدة الشرق.

757

حدث. لا لم يحدث. والسجال السوري هنا ليس بالضرورة حول خبر عابر، بل حتى فيما يخص الأخبار الخطيرة التي توردها وكالات الأنباء وتتناقلها القنوات الفضائية. وسوف يمضي وقت ليس بالقليل قبل أن يتأكد السوريون أن حدثاً ما قد حدث بالفعل أم هو مجرد فقاعة اشتغل عليها أحد ما. فكيف يحدث هذا؟

في ساحة كالساحة السورية، وعندما يختلّ أي منطق، ويصبح أي فعل إجرامي أحمق وارد الحدوث، وكأنه من طبيعة الحياة وممكناتها. عندها فقط يمكن تصديق أي خبر صحفي مهما كان عصيّاً على المنطق. رغم أن الممكنات ومنطق الأشياء، وحتى البديهيات تختلف بين زمن وآخر، وطبعاً بين مكان وآخر. ولكن كيف ولماذا اختلّ المنطق في الحدث السوري إلى درجة أننا بتنا نصدق كل شيء وأي شيء، كما ونكذب كل شيء وأي شيء.

من طبيعة الأمور أن تتم محاكمة أي خبر حين تلقيه، محاكمته ولو سريعاً، بالمنطق الذي يمتلكه أي متلقٍ ليقدّر إن كان الخبر صحيحاً أو ممكن الحدوث أم أنه من انتاجات وبنات أفكار الصحافة الصفراء أو وسائل التواصل الزرقاء.

في الحدث السوري وفي عالم اليوم، المجنون بحق، تكسرت كل هذه المعايير التي ألفها الذهن عبر مراكمة الخبرات، وأصبح أي خبر صحفي قابلاً بنفس السوية ليكون صحيحاً وصادقاً، أو مختلقاً ولا أساس له من الصحة بالرغم من براعة صياغته كخبر صحفي مكتمل العناصر. أو حتى كمعلومة تُرمى من شخص في موقع المسؤولية إلى إحدى وسائل الإعلام.

خلال الثورة شهدنا كسوريين، كثافة غير مسبوقة في سيل الأخبار، تطالعنا بها في كل لحظة وعلى مدار الساعة وسائل الإعلام. وكان هناك من يتفنن في صناعة الخبر الذي سيبدو منطقياً وقابلاً للتصديق والانتشار السريع، مع انتفاء أية أهمية إن كان الخبر صحيح فعلاً.

ساهم في هذه الفوضى تقريباً كل الفاعلين غالباً عن دراية وتخطيط وعمد، وأحياناً بسبب الخفة وانعدام المهنية. ولم يكن تعدد المصادر التي ينهال الخبر منها قليل الشأن في هذا الأمر. فأن يَرد الخبر ويتردد على العديد من وسائل الإعلام بشكل يكاد يكون متطابقاً فهذا سيعني بداهة أنه صحيح، ولو جزئياً على الأقل. وهذا ما لم يكن يحدث بالضرورة.

كسوريين شهدنا على مدى سنوات تلفيق الروايات عن وقائع مزورة عديدة، وقد تعدد أبطالها المزورين ومروجيها، ابتداء من رأس النظام مروراً بمسؤوليه من كافة المستويات، وصولاً إلى ناشطين إعلاميين هواة يستهويهم تضخيم الحدث أو الرقم ربما لاعتقادهم أنهم بهذا إنما يكبرون كأشخاص مع الأرقام، كناقلين لها. ومع ذلك لم يستطع أولئك أو أي أحد آخر أن يجاري علوّ كعب المحللين السياسيين (اللبنانيين بخاصة) من جماعة مجسمات قطر، والمتظاهرين الكومبارس الآسيويين الذين يمثلون أنهم سوريين في استوديوهات الجزيرة.

فهؤلاء “الغوبلزيون” لا تعنيهم أية مصداقية صحفية، فهذه المصداقية ليست في مجال اهتماماتهم أساساً، ولا هدف لهم سوى تقديم الخدمات لنظام الأسد للفوز بالحرب الإعلامية وإرضاء مشغليهم، ولا يعيرون أي اهتمام لركاكة الكذبة، فلديهم طمأنينة لجمهور قادر على ابتلاع أخبارهم كحقائق حتى لو بدت للآخرين كنكات تثير الضحك.

في مجلس الأمن شكّل الجعفري مندوب نظام الأسد واحدة من أشد الحالات الموصوفة، لجهة الصفاقة في القدرة على تزوير ما يجري، حين كان يسرد أحداثاً أو ينسب أقاويل لشخصيات معارضة. أحداث لم تحدث وأقاويل لم تقال، أو على الأقل إن حدثت أو قيلت، فبطريقة مختلفة وحتى معاكسة. تَأتّى هذا النوع من الكذب الفاضح نتيجة قناعة محقّة لدى صاحبه الجعفري أن أحداً من باقي المندوبين أعضاء مجلس الأمن لا يمتلك في تلك اللحظة الوثائق التي تفند تلك التزويرات، التي ستبدو أنها معقولة وقابلة للحدوث. وهكذا ستنتشر كأنها حقيقة.

وفي حالة تعتبر من أشد حالات التلفيق وضوحاً، بحيث يمكن أن تستخدم كمثال في الدروس الإعلامية. ظهرت المستشارة الإعلامية للأسد على إحدى الفضائيات العالمية، عقب قصف غوطة دمشق بالغازات السامة، لتروي كيف أن الإرهابيين هم من استخدموا السلاح الكيماوي في الغوطة ضد أطفال اختطفوهم من الساحل لأسباب طائفية.

سيبدو الخبر منطقياً لذهن المستمع الغربي العادي. إرهابيين من تنظيم “القاعدة” هم من فعلوها، وهذا ما يبدو أكثر انسجاماً وقابلية للتصديق من القول أن حكومةً (حسب الراسخ في الذهن الغربي عن مفهوم الحكومة الطبيعية والمنتخبة) هي من قصفت أطفالاً من شعبها بالأسلحة الكيميائية، وبالتأكيد لن يذهب المواطن الغربي ليدقق بالخرائط وأماكن السيطرة ليتأكد من استحالة وصول الأطفال من الساحل إلى لغوطة، ولن يسأل نفسه: ألم يكن من الممكن قتلهم في الساحل بدلاً من تجشم عناء نقلهم؟

حتى اليوم ما زال هناك في الغرب من يعتقد برواية النظام عن الكيماوي. فلماذا نستكثر على السوريين أن يقعوا هم أيضاً ضحايا لبعض الأخبار الملفقة؟ وهم وقعوا فعلاً في أكثر من محطة. إنه زمن مجنون وعالم مجنون. وما يمكن أن يكون صحيحاً. يمكنه بنفس القدر أن يكون غير صحيح. الجرائم تقع كل يوم، ولم يعد في ذهن السوريين ما هو مستبعد.

خاص – المكتب الإعلامي لقوى الثورة السورية

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

تعليقات

جاري التحميل...