معارض للأسد؟ عليكَ بالشانزيليزيه… بقلم مالك داغستاني

*مالك داغستاني: كاتب وصحفي سوري. معارض ومعتقل سابق. له رواية "دُوار الحرية". مراسل سابق لمجلة "هاي ماغازين" وجريدة الشرق.خاص - المكتب الإعلامي لقوى الثورة السورية

1٬596

تصادف لي أن التقيت في باريس بابن أحد أرفع الشخصيات في نظام الأسد. كان الأب المسؤول قد انشق عن النظام منذ فترة قصيرة جداً. حدث هذا مطلع عام ٢٠٠٦. كنت قد دعيت لملتقى حوارٍي بين معارضين سوريين مع منظمات مدنية وحقوقية أوروبية وأمريكية.

اللقاء مع السيد الابن حدث عرضاً بصحبة صديق مشارك في الملتقى. بعد مجاملات التعارف، علم الرجل أنني قادم من سوريا منذ يومين. لا أدري بأي دافعٍ سألني السؤال الذي سينغِّصُ الجلسة حتى ما قبل مجاملات نهايتها بقليل: ما الذي يقوله السوريون عن “البابا”؟ فاجأني السؤال، ولم يكن في ذهني أي جواب حاضر يمكن أن يكون لطيفاً أو على الأقل يمكن ألا يكون جارحاً لشخص وأنتَ تحدّثه عن أبيه.

تطلب الأمر مني القيام بتزوير شكلي بسيط. كنت مقتنعاً حينها (الحقيقة، وحتى الآن) أنه تزوير مُبَرر. لقد حمّلتُ وألبست باقي السوريين رأيي، دون علم منهم ودون أي تفويض. أجل لمرة في حياتي أصبحت الناطق باسم الشعب السوري. هكذا، أجبته برأيي الذي كنت أتبناه شخصياً، مع معرفة أكيدة من المحيطين، أن هناك الكثيرين ممن يشاركونني به: “يقول السوريون إن كل ما تحدث به والدك عن نظام الأسد صحيح تماماً، وإن كل ما تحدث به نظام الأسد وإعلامه وأعضاء مجلس شعبه عن أبيك صحيح أيضاً”.

خطر لي هذا الحوار اليوم، ونحن نشهد الحفلَ الأوسع لاختلاط الأوراق في كامل المنطقة. الجميع ينتقد الجميع، والجميع يشبه الجميع، ولن يجدي البحث عن أي استثناء، هو غير موجود بالواقع.

وبالحديث عن المعارضة، أي معارضة للأنظمة العربية، فلن يأمن معارض عربي، بغض النظر عن جنسيته، أن يتخذ لنفسه من أي بلد عربي آخر مستقراً له، لأن بيعه وتسليمه لقاتليه في أية لحظة قد يغدو مصلحة وطنية عليا. طبعاً يمكن سحب هكذا مثال ليس على البلدان العربية فقط، بل وعلى بلدان الإقليم أيضاً، دون الخوف من الوقوع في مطب التعميم، فجميعهم في الهوى أسدُ.

أجل هكذا، من أجل الحفاظ على المصلحة، وفي المقدمة الحفاظ على السلطة، لا بأس لدى أي من أنظمة المنطقة الاستثمار بأرواح الناس ورزقهم ومستقبلهم، ما دام ذلك سيفيد في تأبيد سلطاتهم. بل إنهم حتى يفعلونها أحياناً لمجرد مصلحة عابرة.

لا بأس من تبديل الديموغرافيا والجغرافيا، ودفع الأتاوات للدول العظمى من دم وعرق وثروة الشعوب، وأرضها أيضاً. وفي الحالة السورية وهي دون شكٍّ أقصاها، لا بأس من تدمير البلد وقتل مئات الآلاف وسجن عشرات الألوف وتهجير الملايين، واستدعاء المرتزقة وكافة أنواع الميليشيات من أجل الحفاظ على سلطة باتت أدنى من خيال مآتة.

بالعودة إلى باريس. راح الابن في ردّه على الاتهامات التي أدليت بها نيابةً عن الشعب السوري دون أن يرفّ لي جفن، يسرد لي ما يعتبره تمايزاً واضحاً في موقف السيد الوالد عن نظام الأسد الأب والابن.

بعد الكثير من الاسترسال في تعداد المواقف الخاصة التي لا يعرفها العامة من أمثالي. أجبته ببرودي المعتاد: قد يبدو ما تقوله مترابط ويصلح في مرافعة أمام جهة ما غير سورية. لكن من العبث صرف هذا الجهد لإقناع سجين سوري كان يستمع من سجنه للقاء مع والدك مطلع التسعينات لإذاعة “مونتي كارلو”، قال فيه حرفياً تقريباً: “على المعارضين، لو كانوا وطنيين حقاً، العودة إلى سوريا، وممارسة حقهم في المعارضة من هنا، بدل أن يكونوا من معارضة الشانزيليزيه”.

اليوم أستطيع التأكيد دون إحساس بأي ذنب، أن السيد المنشق ما زال يداوم منذ عشر سنوات على الجلوس في مقاهي الشانزيليزيه، وخلال هذه السنوات، مازال عشرات ألوف السوريون يقبعون في سجون الأسد الابن، إضافة لعشرات الألوف الذين قتلوا تحت التعذيب، بسبب أنهم (لسوء طالعهم) كانوا وطنيين يعارضون من أرض سوريا.

ففي سوريا، وبدرجة أقل ربما في معظم بلدان المنطقة، إن كنت معارضاً وأردت أن تنجو بروحك، فعليك بأي شانزيليزيه. هنا سيقتلونكَ.

هل بدوتُ لكم يائساً؟ أجل أنا كذلك فعلاً.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

تعليقات

جاري التحميل...