حمص “زغرورة”.. “زغرورة” حمص.. بقلم مالك داغستاني

*مالك داغستاني: كاتب وصحفي سوري. معارض ومعتقل سابق. له رواية "دُوار الحرية". مراسل سابق لمجلة "هاي ماغازين" وجريدة الشرق. خاص - المكتب الإعلامي لقوى الثورة السورية

110

بأسرع مما بين طرفة عين وانتباهتها، يتحول البعض ممن لجأ من حي الوعر في حمص إلى مخيمات جرابلس اليوم من “حراس الكرامة”، وهي الصفة التي طالما أطلقها السوريون عليهم، خصوصاً خلال العامين الأولين للثورة، إلى عديمي الكرامة الذين لا يتحسسون الفارق الجوهري (الذي يقبض عليه ناشطو الثورة) بين الكرامة والذل.

هكذا وبحسب الفلكلور السوري المُحَدَّث، نُنصّبُ أنفسنا قضاة في محكمة تطلق أحكامها دون أن تستمع إلى المتهمين حتى. نعم نطلق الأحكام بأسرع مما تفعل المحكمة الميدانية ومحاكم إرهاب نظام الأسد، والكارثة الكبرى هنا، أننا مدفوعون بحسن النية.

بزلّةٍ من الضمير، وبحسن النيّة تلك، ننزع عن الآخرين كرامتهم التي حموها بدم أبنائهم دون أن يرفّ لضميرنا هذا جفن. بمنتهى القسوة نجلد الآخر نحن المظلومون مثله، ومن قال أن المظلوم لا يظلِم.

عن العائدين اليوم من مخيم “زغرورة” إلى حي الوعر الواقع تحت سيطرة نظام الأسد والشرطة الروسية في مدينة حمص كنت أتحدث في هذه المقدمة. عن أناس أعرفهم نساء ورجالاً، عجائز وأطفال. أناس عاشوا يوميات الملحمة السورية يوماً بيوم وخلال سنوات.

من مظاهرات الخالدية وباب السباع إلى اعتصام ساحة الساعة، واعتصامات “حديقة العلّو”، ثم ليدخلوا بعدها الحالة الأسطورية لحصار حمص القديمة، وصولاً إلى ما تحت القصف والجوع في حي الوعر. وأخيراً النزوح شمالاً إلى إدلب وريف حلب. هل من عاقل منصف يمكن أن يقول عن هؤلاء أنهم لا يميزون بين الكرامة والذل؟

بحكم الجغرافيا وليس بأي دافع آخر، أتحدث عن هؤلاء. وبسبب أنني أعرف تفاصيل التفاصيل وكامل مفردات الحكاية، من طوفان الأمل عام ٢٠١١ حتى قاع الخذلان وانعدامه تحت الخيم أو بدونها حتى، في مخيم “زغرورة”. وصدمة الاستقبال المخزي الذي لم يتوقعوه. والذي ينزع أي شعورٍ بالكرامة حتى عند أشد المدافعين عنها.

فقط لو كان في قلوبنا، وليس في عقولنا وحسب، مُتّسع لاستيعاب الخيارات المرّة لأهلنا. لترددنا برهة قبل أن نطلق أحكامنا. ففي السنة السابعة للملحمة السورية، علينا أن نتعلم التروي قليلاً، وعلينا أن نأخذ بالأسباب المخففة للبشر الذين ما عاد لهم حول ولا قوة، لو اضطررنا لإطلاق الأحكام (ونحن مضطرون بطبيعة الحال، إنها واحدة من هواياتنا). فليس على من دفع تلك الأثمان تُقام الحدود اليوم.

في النقاش العام من الطبيعي تناول جرائم النظام ومعه مجموعة قوى التطرف (كواحدة من منجزاته) وما أوصلت البلد إليه. كما يمكن بل ويجب، مناقشة الخيارات البائسة للقوى المسلحة المحلية، والتي لم تستطع أن تتوحد في جسم يحمي السوريين من جرائم نظام الأسد ومن جرائم شركائه من الفصائل الإسلامية المتطرفة، كما من البديهيات الخوض في السياسة (أو اللا سياسة) التابعة والمخزية التي انتهجتها الأجسام التي تنطّحت لتمثيل الثورة السورية. ومع كل ما سبق الإشارة إلى أن جريمة دولية تقع تحت سمع وبصر العالم المتخاذل.

أما أن نتناول بالذم المتسرّع خيارات البشر العاديين الذين قدموا كل ما لديهم، دون حتى أن يستشاروا في شيء، فهذا هو البؤس والتعبير الأوضح لوصف هزالة ما وصلنا إليه. الذم والشتم لمن؟ للسوريين الذين احتملوا فوق طاقة البشر؟ للذين احتملوا القصف والموت وفقدان الأبناء تحت الأنقاض. وعانوا الجوع والتشرّد وانعدام كل وسائل الحياة حتى أكلوا أوراق الشجر؟ أم للذين احتملوا في مناطق “داعش” وأخواتها كل أنواع القسر وصولاً إلى سوق أبنائهم للموت، أو الجلد بسبب تدخين سيجارة في الشارع.

من نافل القول أن على المتنورين ومنتجي الأفكار واجب إنارة الطريق أمام عموم الناس. وهنا يجب ألا ننسى ولا للحظة واحدة أننا نتحدث عن الناس السوريين الذين تكالب عليهم العالم بأكمله. أما أن ننضم لجوقة الشتامين للناس. الناس الذين هم أهلنا في الرقة وحلب وحمص والغوطة وفي كل مناطق الحصار، حتى عند اتخاذهم الخيارات الخاطئة أو المذلة، فإن هذا يندرج (أقلّهُ) تحت تصنيف التعالي المعيب على آلام الناس والمزاودة على تعبهم.

أهلنا في مخيم “زغرورة” الذي تفننت الهيئات الإغاثية في سوء إدارته، كنت كغيري أحلم أن تكون عودتكم إلى حمص بطريقة مشرفة أكثر، ومع ذلك فأنا (وحتماً الكثيرون مثلي) أشعر بالمرارة في حناجركم التي تآكلها الهتاف للحرية. أهلي العائدون اليوم إلى حمص: “درب السلامة، دربكم أخضر”.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

تعليقات

جاري التحميل...