ثورات ثقافية شعبوية.. بقلم علي سفر

المصدر: العربي الجديد

37

أراد الزعيم الصيني، ماو تسي تونغ، بعد فشل سياسته التنموية التي تسببت بإفقار الصين غذائياً، إثر دعوته إلى التصنيع في حملة “القفز العظيمة إلى الأمام”، أن يُنهي موجة الانتقادات التي وُجّهت إلى مرحلته، والتي تفشت بعد تخليه عن رئاسة الدولة، واحتفاظه بقيادة الحزب والجيش، فصنع ثورةً بين الشباب الصيني عبر الشعارات الشعبوية ضد البورجوازيين الرأسماليين الذين تسرّبوا إلى قيادة الحزب ومفاصل الدولة، سميت “الثورة الثقافية”.

تكشف العودة إلى وقائع السنوات بين 1966و1976 في الحياة الصينية عن مجزرةٍ مدمرة، استهدفت الحياة الثقافية، والعلمية، والفكرية، والعاملين فيها، إذ كانت شعارات الهوجة الشعبية تتضمن سلسلة أفعالٍ شبه معلنة، تقول بضرورة تدمير الرموز القديمة، وتحطيم البنى التقليدية، وإزالة كل ما يشير إلى الماضي. وفي الوقت ذاته، إبعاد كل من نشأت ثقافته في المختبرات الغربية وإذلاله. وضمن هذا السياق، تم حرق مئات من دور الثقافة، بحجة نشرها الثقافة الغربية، وكذلك حرقت ملايين الكتب، في مشاهد لم ولن تنساها البشرية. وأخيراً، وجد علماء الصين أنفسهم يسحلون في الشوارع، ويعاقبون عبر السير بهم مكبلين، بين جموع الشباب الغاضب الذي يهتف باسم الزعيم “الخالد” ماو، لينتهي المطاف بهم عمّال قمامة، أو مزارعين في أحسن الأحوال.

استمرت فترة الثورة الثقافية عقداً، تناوبت فيها السيطرة بين دعاة الثورة والمتحكّمين بالتفاصيل، إذ كان خروج الأمور عن السيطرة، وبشكل دموي في عدة مراحل، سبباً كافياً لأن يعود ماو نفسه، ليضبط الأمور وفق إيقاع صراعه مع زملائه في قيادة الحزب والدولة. ولهذا، وجد الثائرون الذين كانوا يعملون تحت طنين شعاراته وأزيزها أنفسهم، في النهاية، في مواجهة معه، أدّت إلى أن ترحيل ملايين منهم إلى الريف، عقابا من أجل أن يعودوا إلى رشدهم.

تصلح تجربة الثورة الثقافية الصينية لأن تكون مثالاً عن القدرة التدميرية الهائلة للشعارات الشعبوية، حينما تسيطر وتتحكّم بعقل المتلقين الذين سيتحوّلون، وباستلاب كامل، يفرضه عمق المفردات والجمل الطنانة والرنانة، إلى جيوشٍ من البشر الذين يتحرّكون، بموجب أوامر معلنة، تستهدف الأعداء، من دون تبيان أحوال الضحايا المستهدفين، ومناقشة التهم الموجهة إليهم، وبما يؤكد أن الهدف لم يكن ثورياً، بل إجرامياً يهدف إلى قتل الآخر، وإفقاده القدرة على التأثير والفاعلية بالسجن، أو النفي إلى الأرياف البعيدة.

الشعبوية هي الصنو الشرعي للاستبداد، فمن خلالها يستطيع الحاكم أن يسيطر على الجمهور، حينما تدغدغ كلماته مستشعرات التحريض التقليدية لدى المؤيد الذي ينقلب من العتبة البشرية في منطق الاحتجاج إلى العتبة البهيمية، حين تصبح حركته قائمةً على إبادة الآخر المعارض، ونفيه من الوجود، أو على الأقل زجره عنفياً وإعادته إلى بيت الطاعة السياسي.

يتذكر المعارضون السوريون في العام 2005، حينما تداعوا إلى وقفةٍ احتجاجية أمام القصر العدلي في دمشق، ضد استبداد نظام الأسد وتقييده الحريات، واعتقاله المعارضين، يتذكّر أولئك المثقفون، والفاعلون في الأنشطة المدنية، كيف أن النظام، وبعقلية الدهاء الإجرامية، لم يرسل لهم عناصر من رجال الأمن كي يعتقلوهم، بل أرسل مئات من طلبة جامعة دمشق، الذين حرّضتهم منظمة بعثية (الاتحاد الوطني لطلبة سورية) للذهاب من أجل طحن أعداء سورية وعملاء إسرائيل في شوارع الشام! وهذا ما جرى، حيث خلف الهجوم على المعتصمين وجوهاً مدماة، وأجسادا تلقت الضرب، من دون أن يتدخل الأمن لحماية المعارضين السلميين. وحينما سُئل ضابط أمني رفيع عما جرى، قال: لم نفعل شيئاً، كان شارعاً في مواجهة شارع!
وفي السنة الأولى للثورة، تكرّرت الحوادث المشابهة، حيث كانت الأجهزة الأمنية تلعب بالتناغم مع إعلام النظام لعبتها القذرة، فشعارات حماية سورية من المؤامرة والحفاظ على النظام في مواجهة الفوضى، ومواجهة الإرهابيين، كانت تجد صداها لدى شرائح عديدة، كان أفرادها يتطوّعون ليكونوا داعمين لرجال الأمن، ليقوموا بدورهم في “التشبيح” على المتظاهرين السلميين، وقتلهم في حال تمكّنوا من ذلك.

لم يعد منطق التشبيح الذي ينطلق من شعاراتٍ شعبويةٍ، وفي مراحل متقدمة من عمر الثورة السورية، حكراً على مؤيدي النظام، بل تسرّب إلى فئاتٍ محسوبةٍ على المعارضة السياسية، وكذلك العسكرية، وطالما أن الدم السوري بقي يراق على يد قوات النظام والقوات الرديفة من مليشيات طائفية، وأخرى قومجية عربية، بالإضافة إلى الداعميْن المباشريْن، الإيراني والروسي، فإن حساسية الشعار الشعبوي تصبح أقوى. ومع توفر المنبر مجاناً ومن دون رقابة عبر مواقع التواصل الاجتماعي، علينا أن نتوقع دائماً “ثوراتٍ ثقافية” متكرّرة، ومفصّلة على مقاس من يطلقونها، ويحرّضون عليها، وبدلاً من أن يتم القتل عياناً، تتجرّد الحملات لتنفيذ القتل المعنوي، وارتكاب المجازر الأخلاقية، بحق المختلفين، أو المعارضين. وهكذا نفذت، على سبيل المثال، عدة حملات ضد المعارضين المنشقين عن النظام، كانت تتهمهم بالعمالة له، على الرغم من مغادرتهم سورية هرباً من أجهزته الأمنية.

الفكرة المفجعة التي يوقعنا مجرد تخيّلها في مأزق، تقول؛ وماذا لو حدثت “ثورة ثقافية” يقودها هؤلاء المعارضون ضد معارضين آخرين، على أرض الواقع، وليس على صفحات “فيسبوك”؟ ألا يعني هذا مشهداً دموياً جديداً، يشبه حروب الفصائل الإسلامية المسلحة فيما بينها، وحروباً أخرى لا تقل شأناً عنها في الدموية والشعبوية أيضاً؟

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

تعليقات

جاري التحميل...