وثائقيات منحازة.. ماذا عن تطرف الآخرين؟.. بقلم علي سفر

*علي سفر: كاتب وصحفي سوري، عمل منذ نهاية الثمانينيات في الصحافة العربية والسورية، درس الفنون المسرحية وعمل في التلفزيون السوري حتى نهاية 2011. خاص – المكتب الإعلامي لقوى الثورة السورية

127

أكثر من عشرين فيلماً وثائقياً كانت مواضيعها تتحدث عن ولادة التنظيمات المتطرفة في الشرق الأوسط، بينما كان لدينا فيلمان أو ثلاثة تتحدث عن جرائم النظام السوري بحق شعبه، هكذا كان توزيع الأفلام التي أحتوتها قائمة تسويقية، تسنى لنا أن نطلع عليها قبل فترة قصيرة!

وبالطبع لم تكن القائمة مقفلة على هذين الخيارين، بل كانت تحتوي أيضاً على أفلام لا يمكن تصنيفها إلا في خانة البروباغندا الرخيصة، التي تُصنع من أجل تسويق قضايا محددة، تُمارس فيها الجهات المنتجة حذلقات سياسية، أو ألاعيب تهدف إلى إقناع المشاهدين بأن شعباً ما من شعوب المنطقة منزه عن التطرف، بينما يغرقُ البقيةُ فيه، وكأنه قدرها الذي لا يمكنها الفكاك منه.

لن يجد الباحث في الأفلام الوثائقية التي تتحدث عن سوريا بداية، وعن الشرق الأوسط نهايةً، في الوقت الحالي، أي تفسير لانزياح الموضوعات نحو التطرف الداعشي والقاعدي دوناً عن غيرهما من أنواع التطرف الأيديولوجي، والديني، التي باتت تجتاح حياة سكان الإقليم منذ عدة عقود.

وطبعاً سيكون المتابع في حالة عجز وهو يلاحظ أن غالبية صناع الوثائقيات، فضلوا أن يصنعوا أعمالاً عن “المتطرفين السنة” وحدهم دون غيرهم، بدلاً من أن يحاولوا صناعة شيءٍ ما عن الأسباب التي أدت إلى ظهور هؤلاء، وهي على العموم أسباب لا يحتاج المنتجون إلى جهد كبير من أجل العثور عليها، والتفكير فيها كمادة مثيرة، يجب التركيز عليها، في سبيل تقديم الأمثولة الأخلاقية والسياسية والفكرية، التي تدفع الحكومات وكذلك الشعوب إلى تجاوزها من أجل ألا يتكرر ما حصل.

الاستغراق في اظهار الممارسات القبيحة للمتطرفين، يجعل أي مشاهد يسأل عن الهدف من تكريس مشكلة هؤلاء على أنها مجرد مجموعة من الممارسات التي تزعج وتعرض المشاهد للعنف البصري؟! وكأنه يمكن القبول بوجودهم وكذلك استمرارهم في حكم المناطق التي يسيطرون عليها فيما لو كانوا لا يقومون بهذه الممارسات، أو على الأقل لا يصورونها ويبثونها على وسائل التواصل الاجتماعي!!

هل تحرص هذه الميديا التي تتكلف ملايين الدولارات في صناعة موادها الإعلامية على ممارسة دورٍ ما أو المشاركة في جهد ما يهدف إلى منع ولادة متطرفين جدد، يهددون الحياة العامة في بلدان العالم المتقدم، أو في البلدان التي يعيشون فيها؟!

هوس القنوات التلفزيونية بعرض مواد عن تنظيم داعش أو تنظيم القاعدة، يقابله مداورة وإغماض عين عن ممارسات متطرفة لفئات دينية وقومية أخرى، ولكن الصمت شبه التام كان من حصة أحلام سكان المنطقة التي انكسرت بعد الهجمة المدمرة لقوى الثورة المضادة، والتي أطاحت بالثورات العربية، ودمرت آمال أجيال كاملة، كان ذنبها الوحيد أنها قررت أن تصنع الديمقراطية في بلدانها، وبما يكلف لمجتمعاتها أن تعيش سلماً أهلياً بعد عقود من ممارسة الأنظمة الحاكمة حروباً صامتة وعلنية في آنٍ معاً ضد الشعوب.

وفي تأمل هذه التفاصيل كلها، لابد من أن يشعر المتابع بوجود نفس استشراقي، لا يرى في المنطقة سوى ثرواتها، وكذلك الحروب التي تشتعل من أجلها، وبينما يتم السكوت عن الحكومات التي ترعى وصول الدول المتقدمة إلى استغلال هذه الثروات، تستدير عدسات الكاميرات بكثافة نحو المتطرفين الذين يساهم الجميع في صناعتهم، مع تفرد خاص للأنظمة التي تستخدمهم عبر الإدارة عن بعد ليكونوا أداتها

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

تعليقات

جاري التحميل...