ديرالزور في ظل داعش: بؤس صحي.. وعودة أمراض منقرضة!

أسامة آغي - المكتب الإعلامي لقوى الثورة السورية

156

“الصحة رأسمال الإنسان” وهي أيضاً رأسمال المجتمعات البشرية المنتجة.. فلا إنتاج حقيقياً ولا إبداع دون توفر الصحة لدى الفرد والمجتمع.. وهذه بحد ذاتها لا تتوفر بغير توفر شروط موضوعية من كوادر بشرية متخصصة ومن مؤسسات طبية وصحية ذات مستوى علمي وخدمي متقدم، ومن وجود مدارس ومعاهد وكليات جامعية تخرج العاملين المدربين في هذا المجال الحيوي.

لهذا حين يتم التطرق إلى حقائق الوضع الصحي حالياً في محافظة ديرالزور الرازحة تحت نير حكم تنظيم داعش ينبغي التطرق بشفافية وصدق عن واقع الحال الذي يعيشه أهالي محافظة ديرالزور بصورة فجائعية مخيفة تتنافى مع أدنى شروط الحياة الصحية التي تصنفها هيئات الصحة العالمية.

رعاية طبية سيئة
لا يستقيم أمر توفر رعاية طبية حقيقية بدون وجود مؤسسات تقدم هذه الرعاية عبر خدمات تستند على قواعد وأساليب علمية.. فمحافظة ديرالزور التي كانت تعج بالأطباء من ذوي الاختصاص على أنواعه وبالمشافي الحكومية والخاصة والمراكز الصحية تفتقر اليوم إلى خدمات طبية حقيقية..

فعلى مساحة المحافظة المقدرة بأكثر من ثلاثة وثلاثين ألف كم2 لا تجد اليوم أكثر من عشر مستشفيات أغلبها ميدانية ذات طابع إسعافي وجراحي بسيط.. إن غياب الكادر الطبي وهروبه من المحافظة كان سببه شروط و ظروف الحرب في المحافظة إضافة إلى بطش داعش وتضييقها على عمل الأطباء والمشافي الخاصة.

هذا الغياب لعب دوراً أساسياً في تدني الخدمات الطبية وتراجع الواقع الصحي في عموم المحافظة، وإذا أضفنا إلى محدودية وجود مؤسسات الرعاية الطبية عاملاً آخر هو ضعف الخبرات الطبية لدى الكادر الطبي العامل في هذه المستشفيات والمراكز، وعرفنا أن أغلب هؤلاء الكوادر هم ممن لم يتموا تعليمهم الجامعي الطبي ولا يمتلكون أكثر من المعرفة بتقديم الخدمات الإسعافية أو بعض الجراحات السطحية البسيطة..

هذان العاملان مع غياب توفر أجهزة طبية متطورة تساعد في تشخيص الأمراض وطبيعة الإصابات سيعزز من تردي الخدمات الطبية وتراجع الرعاية الصحية وانتشار الأمراض وتحديداً السارية منها.

فوضى الدواء
الدواء هو أساس العلاج في كل مناحي الأمراض والإصابات، وهو مادة يتم تصنيعها عبر خبرات طبية متقدمة ووفق مواصفات محددة تخضع للرقابة أثناء إنتاجها.

الرقابة على الدواء لجهة تصنيعه أو استخدامه للعلاج يخضع لرقابة طبية وحكومية في كل البلدان لإنه أساساً من مواد ذات أثر خطير إن تم تناولها دون تحديد من الجهات الطبية المسؤولة عن ذلك سينتج عنها حالات مرضية تؤدي إلى نتائج قد تسبب تعطيل أجهزة الإنسان أو تسبب إصابته بالقصور..

هذه الرقابة بأنواعها غائبة في محافظة ديرالزور سواء في المشافي أو في الصيدليات المعنية وهناك نوعان من الرقابة الفعالة وهما الرقابة على الفعالية الدوائية والرقابة على زمن صلاحية استخدام الدواء.

إن الأدوية المتوفرة في صيدليات ديرالزور هي أدوية قادمة من شركات تصنيع دواء سورية أو من شركات دوائية من أسواق الدول المجاورة وهذه الشركات الأخيرة نجهل مدى تقيدها بصناعة دواء يخضع لمواصفات مقبولة دولياً.

إن غياب الرقابة العلمية المتخصصة عن الدواء في محافظة ديرالزور وعدم امتلاك تنظيم داعش للخبرات في هذا المجال يجعل من الدواء خطراً بنسبة ما على حياة السكان.

وهناك مشكلة أخرى تتعلق بعدم توفر أنواع من الأدوية المتخصصة بأمراض محددة كأدوية معالجة السرطان وأدوية علاج التهاب الكبد الفيروسي الذي ينتشر في شرق المحافظة منذ سنوات ما قبل الثورة وزادت نسب الإصابة به بعد سيطرة داعش..

كذلك هناك ندرة في توفر أدوية علاج القلب أو أمراض أخرى، هذا الوضع زاد فعلياً من ارتفاع نسبة الوفيات جراء هذه الأمراض.

لقاح وتحصين الأطفال صحياً
بات من الشائع دولياً وبموجب برامج صحية حمائية تطلقها هيئات الصحة العالمية التابعة للأمم المتحدة في أنحاء العالم حول ضرورة برنامج عملي لتلقيح وتحصين الأطفال ضد عدوى الأمراض السارية مثل الحصبة والحمى وغيرهما..

لكن ما يحدث في محافظة ديرالزور الخاضعة لحكم تنظيم داعش يمكن تسميته “فوضى التلقيح” هذه الفوضى تأخذ شكل عدم انتظام مواعيد التلقيح وفق اللائحة الدولية والتي يجب تناول كل جرعة منها في سن محدد ووقت محدد..

كذلك هذه الحملات لا تغطي كل الأطفال المشمولين بها لسبب عدم توفر وسائل إعلام تغطي كل بيوت السكان في أماكن عيشهم في المزارع والقرى والمدن مما يجعل من أهالي نسبة جيدة من أهالي الأطفال تجهل مواعيد أو ضرورة هذا اللقاح..

إن نسبة كبيرة من أطفال ديرالزور هم خارج تحصين اللقاح وتحديداً من هم في عمر يتراوح بين شهر واحد وخمسة أعوام وهذا الأمر يضعهم في دائرة خطر الجائحات والأمراض السارية.

هناك عوامل أخرى مخيفة بخصوص اللقاح وهو الخشية من عدم تخزينه وفق الشروط الطبية الصارمة ما يفسده ويحيله إلى مادة خطرة.

أمراض تعود إلى ديرالزور
وصلت الحالةالصحية ما قبل داعش في ديرالزور إلى مستوى مقبول من الخدمات الطبية والصحية، فلقد انتهى مرض شلل الأطفال من المحافظة بسبب برامج التوعية والتلقيح والمتابعة والتي كانت تقدمها الأمم المتحدة بالتعاون مع الجهات الصحية المسؤولة في هذه المحافظة..

ومع غياب هذه الجهات عن دورها واختصاصها وعدم قدرة داعش على توفير البديل وسد العجز ومع تراجع عام وكبير لكل الخدمات الصحية وتدني القيمة الغذائية لوجبات السكان نجد أن عوارض أمراض اندثرت سابقاً عادت إلى الظهور من جديد كمرض شلل الأطفال والتهاب الكبد الفيروسي وظهور حالات جديدة من الإصابة بمرض السل الرئوي..

هذه الأمراض المعدية تشكل أساس جائحات ممكن حصولها تهدد الأمن الصحي لسكان المحافظة وتزيد من نسبة الوفيات بينهم.

إن الخلاص من وجود داعش سيفتح المجال بعودة تدريجية للمؤسسات الصحية العامة ذات الخبرات الطبية والمستلزمات العلمية والخلاص من هذا التردي الصحي الذي طال أمده.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

تعليقات

جاري التحميل...