الأسد مقابل مؤسسات الدولة!.. بقلم د. عبد القادر المنلا

*الدكتور عبد القادر المنلا: إعلامي سوري يكتب في الشأن الثقافي منذ العام ١٩٩١، ثم تفرغ تماماً للكتابة في الشأن السياسي بعد انطلاق الثورة السورية، ونشر مئات المقالات التي تفضح رواية النظام وتفند كذبه..

6٬178

يكثر الحديث في الآونة الأخيرة، عن ضرورة الحفاظ على “مؤسسات الدولة” حتى وإن اقتضى هذا الحل الإبقاء على الأسد، باعتبار أن الحفاظ على تلك المؤسسات هو الوسيلة الوحيدة المتبقية للإبقاء على الجسد السوري ككيان جغرافي، وكدولة..

هذا الطرح لا يتبناه فقط جمهور الأسد أو الرماديون أو بعض من يدعون أنهم قوى معارضة، بل يمتد ليشمل بعض الأصوات التي انحازت بكل قوة إلى صفوف الثورة، والتي ربما يكون حرصها على المحافظة على ما تبقى من سورية، الدافع الأقوى لتبنيها هذا الموقف..

آخرون وجدوا في استعصاء سقوط الأسد حتى الآن، وتراجع العالم عن فكرة الإطاحة به مبرراً لدعواتهم تلك، ومنهم بالطبع من يلعب بشكل انتهازي ويغازل من خلاله عصابة الأسد دون أن يسحب أوراق اعتماده كمعارض..

ولتبرير هذه الرؤية السياسية، يؤكد البعض على أهمية الفصل بين الدولة ونظام الحكم، وبأن الدولة هي الأهم، فيما الأنظمة زائلة أو قابلة للتغيير..

وقبل الحديث عن “الحفاظ” على مؤسسات الدولة، يتوجب على أصحاب هذا الطرح ألا يعبروا على السؤال الأهم: ومتى كان ثمة مؤسسات في سورية الأسد؟ وأين هي الدولة السورية اليوم؟ وإذا كان ثمة مؤسسات، فما الذي تبقى منها بعد سبع سنوات من التدمير الممنهج والمتعمد لكل مرافق البلد وبناها التحتية، لبشرها وحجرها ووحدتها ونسيجها السكاني، لتاريخها وآثارها، ولكل جسر يربطها بفكرة الدولة؟

لقد كان المشروع الأهم لحكم آل الأسد هو القضاء على فكرة المؤسسات من جذورها واستبدالها بفكرة الملكيات الخاصة، وذلك كان السبب الرئيسي للثورة السورية، فكيف يتسق اليوم أن يتبنى أحد ممن يحسبون على الثورة تلك الفكرة التي تتقاطع بالمطلق مع مصالح عصابة الأسد؟

إن المشروع الوحيد الذي رأى النور ونجح بشكل مثالي في سورية الأسد، هو مشروع ضرب فكرة الدولة، فيما بقيت كل المشاريع الأخرى مجرد كلام وشعارات، لم يمت الأسد الأب إلا بعد أن قضى تماماً على فكرة الدولة وحولها فعلياً إلى مزرعة، وحول مؤسساتها إلى إقطاعيات تم توزيعها حسب النفوذ ودرجة الولاء، ولو أن ثمة فكراً مؤسساتياً حقيقياً لاستطاعت المؤسسة -بالحد الأدنى- إفشال مشروع التوريث، وهو الخطر الأكبر والكابوس الأثقل الذي خنق فكرة المؤسسات واستأصلها من جذورها..

ولو أن الغيرة على مؤسسات الدولة ترافقت بترشيح شخصية أخرى غير الأسد -حتى وإن كانت من رموز عصابته- لقيادة المرحلة التالية لكان وقع الحالة أقل تناقضاً، أما أن يكون السبب الرئيسي لدمار المؤسسات، بل من أمر بإحراقها وتدميرها هو ذاته الضامن لبقائها، فذلك طرح يتماشى مع فكرة التسليم للعصابة والرضى والقبول باستمرارها في الحكم، ولا ينتصر لفكرة “الدولة”..

المشكلة الأعمق التي تسبب بها الأسد، لا تتمثل فقط في تدمير سورية، بل في بيعه لها أرضاً محروقة، وإدخال قوى استعمارية متعددة الجنسيات تعهدت ليس فقط بالقضاء على فكرة مؤسسات الدولة، بل أيضاً بتغيير الخارطة الجغرافية والديموغرافية لسورية، وهذا المشروع يترسخ ويتجذر كلما طال أمد الأسد في السلطة، وقد يسمح بقاؤه لفترة أخرى بإنجاز مؤسسات بديلة للدولة ولكنها لا تعود للدولة السورية، بل للدولة الإيرانية أو الروسية..

فكرة الحفاظ على مؤسسات الدولة قد تبدو فكرة منطقية إلا في الحالة السورية الراهنة، لأن كل ما يهم الأسد هو بالتحديد الوصول إلى هذه النتيجة التي تقبل ببقائه، فسورية اليوم مخطوفة من قبل العصابة الحاكمة التي تخيّر العالم بين ذبح الضحية أو الحصول على ما تريد..

ولكن الأخطر من ذلك والأهم، هو أن شعار الحفاظ على مؤسسات الدولة يبدو شديد التشابه بل يتقاطع تماماً مع الشعار الذي أطلقه الأسد في بداية الثورة: الأسد أو نحرق البلد، بل ربما هو ذات الشعار ولكن بصياغة جديدة تتماشى مع المآلات الحالية، وربما هي الصياغة العلنية المعدلة لذات الشعار بفكرته القديمة..

يقايض الأسد اليوم على سورية تماماً كما قايض عليها أول الثورة، وإذا كان تهديده بحرق سورية لم يخف الثوار ولم يمنعهم من قبول التحدي والاستمرار في الثورة، فهو اليوم يقايض على ما تبقى من سورية بعد أن أحرق معظمها، هو بالتحديد يقايض على ما لم يدمره بعد، ولا ضرورة للقول إن فكرة الحفاظ على مؤسسات الدولة ترتبط بفكرة الخوف من تدميرها من قبل الأسد ذاته..

إن كل ما يهم الأسد من المؤسسات هو أن يُبقي على “مؤسسة” القصر الجمهوري، ومؤسسة الأفرع الأمنية، ومؤسسة المعتقلات والسجون، أما كل ما تبقى من المؤسسات الخدمية والإنمائية فلا تعني الأسد بشيء.

على أرض الواقع، يبدو المثال حياً في مناطق سيطرة الأسد، فكل من هو مقرب من الأسد هو أقرب إلى الدولة ومؤسساتها والناطق الرسمي باسمها، حتى وإن كان من حثالة الشبيحة، والحفاظ على هذا الشكل من المؤسسات المزعومة سيكون بالتأكيد أسوأ بكثير من زوالها.

لقد أثبتت وقائع السنوات السابقة بما لا يقبل الشك أن إزاحة الأسد هي البوابة العريضة والوسيلة الوحيدة لاستعادة سورية كدولة ومؤسسات، وأن بقاء الأسد هو الخطر الأكبر على تلك المؤسسات -إن سلمنا بوجودها- أو ما تبقى..

خاص – المكتب الإعلامي لقوى الثورة السورية

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

تعليقات

جاري التحميل...