قراءة بيضاء لثورة لا يمكن التلاعب بمطالبها… بقلم: فاضل الحمصي

17

تدخل الثورة السورية عامها السادس بظروف محلية وإقليمية ودولية مغايرة تماماً لما كانت عليه عند انطلاقتها، فالظروف الحالية معقدة للغاية، وبعضها ما يصب في مصلحة دعم الثورة، وانتصارها لاحقاً، ومنها ما يساهم في دعم نظام الأسد.
الثورة، التي كانت المحرك الأساس للتغيير على مستوى الإقليم، والعالم أيضاً، تجد نفسها رهينةً لتفاهمات وتوازنات دولية قد يؤدي العبث بها، أو تغييرها، إلى أزمات بين الدول الكبرى، أو حتى لاندلاع حروب تشمل العالم، وتهدد بوقوع كوارث.
أثبتت الأحداث أن ما ميّز الثورة السورية عن غيرها من الثورات العربية، أنها لم تكن “هبّة شعبية” محدودة المطالب، بل كانت ثورة عميقة نضجت بفعل الظروف المحيطة من جهة، وبفعل ممارسات السلطة على مدى أربعين عاماً من جهة أخرى، لذلك لم يكن من السهل إخمادها، بل كان مستحيلاً، وكذلك أظهرت السنوات الماضية أن التلاعب بمطالب الثورة قد يتنج حلاً ما، لكنه لن يضمن الاستقرار على المدى الطويل، أو حتى المتوسط.

على صعيد الثورة السورية، فمعاناتها القديمة، والمصيرية، ما تزال قائمة، وتتمثل بشكل رئيسي بغياب الكيان العسكري الجامع والافتقاد لقائد ذو شخصية كاريزماتية، يكون قادراً على قيادة الثورة بحزم ورؤية واضحة، حتى أنها فشلت في تعويض النخبة القيادية التي كانت مرشحة لإخراج ذلك القائد من بين صفوفها، حيث عمل النظام على استهداف تلك النخبة وتصفيتها منذ اليوم الأول، سواء في المرحلة السلمية، أو في مرحلة العسكرة.
وكان مفهوماً أن تتعدد الفصائل المسلحة في بداية الحراك المسلح، إذ لم يكن الذهاب للسلاح خياراً مركزياً للثورة، بل رد فعل على بطش النظام وعنفه، ولكن استمرار التشتت والإخفاق في تشكيل كيان عسكري موحد، يشكل قصوراً وخطراً بالغاً على الثورة في المرحلة المقبلة.
كما أن الدعم من قوى خارجية يبدو عقبة كبيرة، إلا أنه ليس مصيرياً، فالدول الداعمة لا تمتلك حتى اليوم القدرة على توجيه العسكرة بشكل كامل، وهي تدرك أنها قد تفقد السيطرة على الكتائب التي ساهمت بدعمها في أي لحظة، لذلك تسعى إلى عدم الضغط على الفصائل المسلحة خشية فقدان قدرتها على توجيه وإدارة الأحداث في سوريا.

أما نظام الأسد فقد أحسن اللعب على التوازنات الدولية التي يعرفها جيداً، ومارس ضغوطاً على أطراف مختلفة، فيما استفاد من بعض الأوراق ضد أطراف أخرى، ومارس خطته المعتادة “حافة الهاوية”، وعمل على دفع الثورة باتجاه التطرف، فأخرج الإسلاميين من سجونه مع إدراكه الكامل لطريقة تفكيرهم وما سيكون عليه تصرفهم، ولم يكن يضمن الانتصار عليهم، لكن تلك كانت الطريقة الوحيدة التي تحافظ على وجوده وتجعله مقبولاً على المستوى العالمي على اعتباره أحد “مكافحي الإرهاب”.
تلك الخطوة كانت “مقامرة” بكل ما تعنيه الكلمة من معنى، ومن غير الواضح، حتى الآن، إلى أين يمكن أن تقود المنطقة، حيث لا تزال تلك الفصائل تزداد انتظاماً ويشتد عودها، ومن الممكن في قادم الأيام أن تسير الظروف بما لا تشتهي سفن النظام، وتكون الخطوة التي اعتقد أنها “طوق النجاة”، هي ذاتها “حبل المشنقة” التي تنهي وجوده.

على المستوى الإقليمي، عملت بعض الدول على دعم الثورة منذ اليوم الأول لأسباب عدّة، أبرزها رغبة بعض الدول بتغيير النظام، وإنهاء دوره كلاعب أساسي في الإقليم. كذلك دَعَمَ آخرون الثورة بهدف اختراقها والتحكم بمسارها في وقت لاحق، فيما حرص البعض على استخدامها كورقة ضغط لتحقيق مكاسب سياسة أو اقتصادية. إضافة لهذه الأسباب، كان السبب الأهم هو إدراك جميع الدول أن الثورة غير قابلة لـ”الإفناء”، فحتى لو نجح النظام بإخمادها في بدايتها، فإن أمر اندلاعها مجدداً كان مسألة وقت لا أكثر، على اعتبار أنها انطلقت بفعل نضوج الظروف المحيطة وليس مجرد “هبّة شعبية” كما ذكرت سابقاً، فكان دعمها منذ بداية الحراك المسلح هو الخيار الأفضل بالنسبة لهم.
حالياً، يبدو مصير سوريا بيد روسيا والولايات المتحدة بشكل رئيسي، حيث ترى روسيا في سوريا فرصة مواتية لتعويض ما خسرته في أوكرانيا ومناطق أخرى في العالم، كما ترى فيها فرصة لاستعادة مكانتها على المستوى العالمي، وفرصة أيضاً لتحقيق مكاسب اقتصادية واستراتيجية في هذه المنطقة الحساسة.
أما الولايات المتحدة، التي لم تتدخل بشكل فعال حتى الآن، وكذلك منعت الآخرين من التدخل، كتركيا وفرنسا والسعودية، فهي تدفع الآن ثمن ترددها على مدى السنوات الماضية.
من الوارد أن يكون تردد الولايات المتحدة “سياسة مدروسة” منعتها من التورط في سوريا، لكن يبدو أن تلك السياسة لم تحقق ما كانت تسعى الولايات المتحدة إليه، كما يبدو أن الخطة “ب” التي لجأت إليها خلال الفترة الماضية كانت الاحتفاظ بنظام الأسد، وجاءت كنتيجة لفشلها بإيجاد بديل مناسب، أو حتى تصنيع بديل يحفظ التوازنات ويمنع انهيار الوضع الحالي في المنطقة، ريثما تكون الظروف ملائمة لاستكمال مشروعها المعروف بـ”الشرق الأوسط الجديد”.
منذ عدة أشهر توافقت الولايات المتحدة وروسيا على المضي قدماً في خطة انتقال سياسي تنهي الحرب السورية وتضمن الانتقال السياسي خلال 18 شهراً. ومن غير الواضح إذا ما كانت هذه الخطة ستضمن فعلياً إنهاء الحرب ووحدة سوريا في الوقت نفسه، حيث بات الوضع السوري معقداً وغير مفهوم حتى للسوريين العاملين بالشأن السوري، والعارفين بتفاصيله المعقدة، فكيف سيكون الوضع لمتدخل خارجي قد لا يدرك التفاصيل وجزئياتها المتداخلة؟

بعض التصريحات الرسمية، ودراسات عدة، أشارت إلى أن الحل يحمل احتمال تقسيم سوريا، في إطار “دولة فيدرالية”، وأخطر السيناريوهات المتوقعة جاء في تقرير لموقع “ديلي بيست” الأمريكي، أشار فيه إلى احتمال اعتراف السياسة الامريكية بـ”الحقائق الموجودة على الأرض”، والعمل على وقف إطلاق نار تشرف عليه الولايات المتحدة وروسيا وإيران، ويتبعه خطوة لإنشاء “محاور متفق عليها”، وستكون هناك ثلاث مناطق متجاورة، بعضها يشبه غزة والضفة الغربية في فلسطين، منفصلة عن بعضها، بالإضافة لوجود محاور مندمجة مع بعضها البعض. وبحسب “ديلي بيست” فإن محور النظام سيمتد على طول ساحل البحر المتوسط ومن جنوب الحدود التركية وعبر دمشق وحمص، وسيضم المحور الكردي منطقة ما يسمى “روج آفا”، أما فصائل الثورة السورية فستقيم في مناطق غير متجاورة، مثل إدلب وحلب وحماه ودرعا، وهناك محور رابع، وهو منطقة سيطرة تنظيم الدولة في الرقة ودير الزور وتدمر. وستتم إدارة مناطق التنظيم دولياً بعد طرده منها.
جميع الدلائل تشير إلى ضغط دولي باتجاه تنفيذ خطة الانتقال السياسي، لكن نجاحها غير مضمون، ولا بد من توفر أمرين أساسيين، الأول أن تضمن آليات واضحة تعمل من خلالها، وتكفل المحاسبة والحقوق لجميع الأطراف، وثانيها العمل على وحدة سوريا وعدم تقسيمها. فالتقسيم على أساس طائفي أو عرقي، أو حتى فيدرالي، ربما ينهي الحرب الحالية بشكل مؤقت، لكنه سيكون وصفة لحروب دورية متكررة قد لا تنتهي، كما أنه فتيل يهدد بإشعال المنطقة وتفتيت ليس سوريا فحسب، بل المنطقة برمتها، بما فيها تركيا وإيران والخليج العربي.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

تعليقات

جاري التحميل...