الدراما السورية.. سلاح لم يتخلى عن الأسد.. بقلم: أديب الحريري

12

الفن والحديد والنار.. يقتلون البشر لكن لا يقتلون العزيمة والإصرار!

بين الفينة والأخرى تجتاحني الأشواق وتعصف بي ذكريات عشت تفاصيلها بدمشق، تدوي بأذناي أصوات زملاء وأصدقاء رحلوا وآخرين لم أعد أعرف عنهم اليوم سوى أسمائهم وبعض ذكرياتي معهم، أحاول الهروب منهم فأجدهم وذكرياتهم يتكاثرون أمامي كالسراب، وأجد نفسي باحثا في الماضي عن تفاصيل تقتل أوجاع هذه الذكريات التي تغتال حاضري.

ذاكرة ذاك المكان تجذبني في كل زمان ومكان إلى نفس المكان، أبحث عن سبل لإدراك تفاصيله فلا أجد سوى بضعة صورٍ جمعتنا يوماً، تستفزني ذاكرتي التي لم تعد ترضي رغبات روحي ولا تغنها بمزيد ينعش حاضرها بجمال ماضيها، اتنقل بين مواقع العنكبوتية لعلي أجد ما لا أعرفه ولكن أريده، فلا يقنعني سوى مشاهد من دراما سورية أشعرتني يوماً عبر مشاهدها أنني أعيش في واقعي ما يعيشه ذاك البطل أمام الكاميرا وأنه ليس سوى شخصية اعتبارية تصف لي وللعالم لحظات سعادتي وتعاستي وأشكال معاناتي.

في الحقيقة تمكنت الدراما السورية على مدى سنوات من نقل الواقع الذي عاشه السوريون، واقتحمت خصوصيات مجتمعهم شيئاً فشيئاً، حتى سلطت الأضواء على تفاصيل وحقائق لم نتوقع يوماً ان تكون قد فرضت نفسها لتصبح جزءاً من ثقافة مجتمعنا، خطفتنا من واقعنا الحقيقي إلى واقع مزيف أرادته و لم نرده، منحتنا الرغبة بتجريبه، سلبتنا قوانا وطاقاتنا لمقاومته، كان جميلاً، يشبه واقعنا لكن لا يشبهنا، رغم كل شيء نالت ما أرادت منا.

استسلمت لمتعة روحي، وأرويتها بعشرات المشاهد، عشت تناقض الأحاسيس، فاستمتعت بمشاهدة تفاصيل المكان الذي نسيت شكله، كنت سعيداً دون أن أعرف مصدر سعادتي، فكرت قليلاً بقدرات هذا الفن، لم أجد أجوبة لأسئلتي، وقبل أن أغلق صفحة المتصفح ناداني مشهد أخير، حلقة اخيرة لمسلسل آلمني يوماً، ترددت قليلاً لطول الحلقة التي تزيد مدتها الزمنية عن مدة جميع المشاهد التي رأيتها، إلا أن الاسم بدد ترددي، “لعنة الطين”.

من مسلسل لعنة الطين
من مسلسل لعنة الطين

مع مرور كل دقيقة من دقائق الحلقة كان يجتاح ذاكرتي عشرات المشاهد من هذا المسلسل، ويطرح فضولي عشرات الأسئلة حول سماح الأفرع الأمنية ونظام الأسد بإنتاج مثل هذه الأفلام التلفزيونية، وكلنا نعرف أن مشهد مسرحي كوميدي لا تتجاوز مدته الثلاث دقائق كان يخضع لأكثر من تعديل وربما حذف بعض جمله قبل الموافقة على تمثيله على خشبة مسرح جامعي.

تعددت الأسئلة التي لم أجد لها أجوبة وتضاعفت الرغبة في إرضاء فضول المعرفة أو الاستنتاج، فوجدت نفسي باحثاً عن الحلقة الأولى لأنتهي بعد بأسابيع بالحلقة الأخيرة لمسلسل آخر يشبهه مضموناً، “غزلان في غابة الذئاب”.

كل من تابع مشاهد هذين المسلسلين يعرف أنهما الأكثر جرأة في طرح قضايا الفساد المستشري في وزارات الدولة، والأكثر انتقاداً لشخصيات سياسية وأمنية كانت يوماً جزءاً من جسد هذا النظام الذي أعطى الموافقة على إنتاجهما، لكن ما مصلحة النظام من السماح ببث مثل هكذا مشاهد على الشاشات المحلية والعربية في وقت كان يخشى السوريون أنفسهم من تبادل الآراء حول تفاصيلهما خلال جلساتهم الخاصة؟؟ ولم لم تشكل هذه الأعمال أي ردة فعل لدى الرأي العام السوري في تلك الفترة؟؟

لقد استغل النظام الدراما السورية وسخر عملها لصالحه في وقت كان من المفترض أن تكون مرآة الشعب، فلو استعدنا معلومات الشخصيات المستهدفة بهذه الأعمال لوجدناها غابت عن الساحة السياسية والأمنية قبل البدء بكتابة السيناريو بسنوات، كما استفاد النظام من استغلال اسمائهم لاتهامها بالفساد وإظهار نفسه ضحيتها كما الشعب، ملمحاً أن الأمور ستسير باتجاه الإصلاح ومحاربة الفساد، وأنه الجهة التي تشعر بمعاناة الشعب وستعمل جاهدة للنهوض به، وهنا يكون قد حصل على فرصة جديدة تضمن له انعدام أي ردات فعل شعبية نتيجة سوء الأوضاع.

في الواقع رسم النظام سيناريوهات عديدة لم يعرف السوريون تفاصيلها ولم يتابعون أحداثها، بدأت باغتيال رئيس مجلس الوزراء الأسبق محمود الزعبي والحقه بوزير الداخلية ورئيس شعبة المخابرات السورية في لبنان غازي كنعان، كما أنه لم يتوانى في استغلال انشقاق وهروب نائب الرئيس عبد الحليم خدام، فكانوا عناوين لقصص درامية سورية بررت انتشار الفساد ومنحت النظام الفرصة تلو الأخرى للظهور كبطل لفيلم واقعي جديد ستدور أحداثه في مؤسسات الدولة وفروعها الأمنية.

صحيح أن الدراما السورية نقلت الواقع المرير الذي عاشه السوريون، لكنها لم تنجح في تغييره للأفضل، وصحيح أنها لامست جراحهم لكنها لم تشفها، كما انها لم تلعب دوراً هاماً في معالجة الواقع بل عملت على التحكم فيه وتغييره لما اقتضته مصلحة روادها وصانعيها، فكانت سلاح استخدمه الأسد لإسكات وقتل أي حالة تململ واستياء لدى السوريين، والوسيلة الوحيدة التي أتقن استخدامها لتعزيز موقفه في ممارسة مفهوم الشفافية.

بعد انطلاق الثورة السورية لم تتبدل المهمة الحقيقة للدراما، ولم تتغير استراتيجيات عملها، بل تضاعفت لتكون أكثر شراسة في محاربة الشعب السوري وتطلعاته من خلال فرض وجهات نظر النظام وحلفائه على مكونات الشعب التي لا تعتمد على الأخبار لتشكيل رأي تجاه القضايا المحلية، كما عملت على تحريف الواقع والإساءة لمكونات الشعب السوري بهدف خدمة هذا النظام وتبرير إجرامه بحق الشعب المظلوم.

أشعر بأن ما لم أكتب أكثر مما كتبت، وأن ما لم أعرف أكثر مما عرفت، وأشعر بأننا ندخل معركة لا نملك من أدواتها سوى الإرادة التي أثبتت الأيام أنها أقوى من كل الأسلحة التي امتلكها الأسد، وأن الفن والحديد والنار يقتلون البشر لكن لا يقتلون العزيمة والإصرار.

خاص – المكتب الإعلامي لقوى الثورة السورية

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

تعليقات

جاري التحميل...