سوريا وصراع المفاوضات.. بقلم جمال حمّور

743

إن الأزمة السورية “أزمة بنيوية” نابعة من طبيعة النظام نفسه الذي ارتكز على شكل الدولة القومية أحادية الصيغة وعلى الاستبداد وإنكار الآخر. واستخدام للمظلمة الفلسطينية، طوال عقود، غطاءً للسيطرة والهيمنة على الشعب وسلبه حقوقه وحرياته بذريعة مواجهة الخطر الصهيوني، «لا صوت يعلو فوق صوت المعركة»، والبطش والوحشية التي تمت مواجهة الشعب بها عندما تحرك للتعبير عن تطلعاته وطموحاته في حياة حرة كريمة.

يدخل العام السابع في سوريا دون أفق واضح للحل بسبب الذهنية الإقصائية والاستعلائية لدى نظام الأسد، ومعظم أطراف الصراع في سوريا مع غياب إرادة دولية تستدعي حلاً يلبي طموحات وتطلعات شعب سوريا في الحرية والكرامة”.

فالمسار التفاوضي لم يأت نتيجة قناعة الطرفين، بل تم رسم المسارات التفاوضية للصراع السوري، في محطاته المتوالية، من الخارج، كتعبير عن إرادة الأطراف الدولين والإقليمين المنخرطين في الصراع، وبات للصراع السوري، إضافة إلى مساره الحربي والكارثي والمأسوي، مساره التفاوضي الطويل والمضني والمعقد أيضاً، الذي امتد بين 2012 و2017، أي خمسة أعوام، من دون أي نتيجة ترتجى، من جنيف 1 إلى 4، بما في ذلك مسار أستانة، الذي تم تدشينه الشهر الماضي.

كانت موسكو وقتها قد تخلّت عن تصنيف جميع الفصائل بأنها «إرهابية» أرادت من جهة استمالة الفصائل «المعتدلة» واحتواءها فجاءت بممثّليها إلى أستانة باعتبارهم «متمرّدين» مهزومين في حلب لمواجهة المنتصرين.

وكان يُفترض أن تكسب روسيا في مؤتمر «آستانة 1» صدقيةً مفتقدة، إلا أن كلّ ما فعلته قبله وخلاله وبعده كان عبارة عن خطوات مبتورة ومنقوصة، وقد تأكّد الآن أنها إمّا فشلت في إلزام النظام وإيران باحترام الهدنة، أو أنها لم ترد ذلك اصلاً، بدليل أنها شاركت في انتهاكات لوقف النار في مناطق لا وجود فيها للمجموعات المصنّفة إرهابية. بل استعادت أخيراً نهج التوحّش عندما استخدمت قنابل النابالم في قصف حمص وإدلب.

أما معارضو المنصّات (موسكو والقاهرة وحميميم و…) غير المرتبطين بأي فصائل ولا بأي حراك شعبي، فيمكن استخدامهم لتسليط الضوء على تشتّت المعارضة في مقابل تماسك النظام، وهو ما يعتقده الروس انها نقطة ضعف وبالتالي للتحكّم بوجهة أي حل وضمان أنه لا يعني انتقالاً بل استمراراً سياسياً. ولكن على المقلب الآخر تعدد الوفود المعارضة تعني أن المعارضين في سوريا هم الأكثرية الساحقة، ووفد النظام لا يمثل إلا الاسد وطغمته الحاكمة.

وهكذا أفشلت روسيا مسار جنيف كما أفشلت مسار أستانة، مفضّلة العودة إلى الضغط العسكري لاستدعاء إدارة ترامب إلى مساومة لم تفلح في فرضها على إدارة أوباما. واستمرار سعير الصراع المسلح والإبقاء عليه، لفرض إملاءاتها على الأطراف الأخرى، من دون مبالاة بمعاناة السوريين.

وبمواكبة ذلك أعلنت موسكو توسيع قاعدتها في طرطوس للمكوث فيها 49 سنة مقبلة وأبرمت مع حكومة نظام بشار الأسد اتفاقات تمنحها تحكّماً لاحقاً بالاقتصاد وإعادة الإعمار، فيما أنجزت خطوات متقدّمة في إعادة تنظيم الجيش الحكومي وتهيئته لاستيعاب الميليشيات التي انبثقت من صفوفه أو فرّختها إيران إلى جانبه بقصد تهميشه، فضلاً عن استعادة العسكريين المنشقّين أو دمج عناصر الفصائل المسلحة المعارضة.

كل ذلك أعطى انطباعاً عاماً بأن روسيا امتلكت الكلمة العليا والأخيرة في الشأن السوري، سواء بوجودها على الأرض وعملها المباشر مع النظام، أو بتفاهمٍ مع تركيا مكّنها من ضبط ايقاع الفصائل وبتّ تصنيفها معتدلةً أو متطرّفةً.

وبمراجعة بسيطة لما حصل خلال الجولات السابقة، جنيف1 (في حزيران/ يونيو 2012)، الصادر عن مجموعة العمل أطلقها المبعوث الدولي الأخضر الإبراهيمي للمجموعة الدولية من أجل سورية، وجنيف2 (2014) حيث كان أكثر براغماتية في تعاطيها مع الجهود الدولية، وجرى تدعيمه بقرار من مجلس الأمن الدولي (2118). ثم جنيف3 (2016)، عقد بإشراف المبعوث الدولي ستيفان دي ميستورا.

ووفقاً للقرار 2254، الذي تم التوافق عليه بين أطراف دولية وإقليمية (أهمها الولايات المتحدة وروسيا وتركيا والسعودية) في فيينا (أواخر 2015)، والتي توصلت إلى خطة طريق لحل سياسي في سورية (خلال 18 شهراً) بقيام حكومة مشتركة، أو هيئة حكم ذات مصداقية، من النظام والمعارضة، تشمل الجميع وغير طائفية، واعتماد مسار لصياغة دستور جديد لسورية، مع تجاهل مصير الرئيس الأسد.

وذكر القرار 2254 في الفقرة الرابعة منه أن المرحلة التفاوضية تبدأ في الأول من شهر كانون ثاني من عام 2016 وتنتهي بعد ستة أشهر لتنطلق المرحلة الانتقالية التي تمتد 18 شهراً، ولكن لم يحصل أي شيء من ذلك.

من جهة أخرى من حقّ المعارضة السورية أن تعلن عن محدّدات لأي حوار مع «ممثلين عن الدولة» وليس النظام، لأن النظام قتلة متفاوتون في الاحتراف، ومجرد بقاء الاسد في موقعه مع ماكينات القتل المحيطة به كفيل بإفشال أي حوار وأي اتفاق.

ومحاولات النظام الالتفاف على تطبيق الانتقال السياسي بعد الموافقة عليه مجبراً خلال جلسات التفاوض التي تضمنتها الجولة الأخيرة من المفاوضات في جنيف 4 (فبراير 2017).

ويجب أن تبنى المفاوضات على التخلص من نظام الاستبداد السياسي والذهنية الشوفينية التي يتسم بها هذا النظام، وتحقيق تطلعات شعبنا في التغيير الشامل وبناء النظام الديمقراطي البديل. وإخراج كافة القوات الأجنبية من سوريا وهذا يشمل القوات الروسية والإيرانية وبقية الميليشيات، والتركية. واعتبار أن أي مشروع للحل لا يأخذ بعين الاعتبار التنوع الإثني والثقافي والديني لسوريا ويحاول إعادة إنتاج النظام القديم سيكون مشروع تفجير مؤجل وليس مشروعاً دائماً للسلام ومن أجل تحقيقه نرى أنه يجب إسقاط النظام الاستبدادي لا هدم مؤسسات الدولة، ولا السعي لمواجهة تدمر المناطق كما حدث في مواقع أخرى.

وكإجراءات تمهيدية للحل هي (وقف تام وشامل لإطلاق النار وبضمانة دولية، وإطلاق سراح المعتقلين والمختطفين لدى كافة الأطراف المتقاتلة، وإخراج المقاتلين الأجانب والإجماع على محاربة الإرهاب والتطرف، وإنهاء كل أشكال الاحتلال للأراضي السورية، ورفع الحصار والسماح للمنظمات الإغاثية بحرية العمل في مختلف المناطق، وتهيئة الظروف لعودة النازحين والمهجرين).

خاص – المكتب الإعلامي لقوى الثورة السورية

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

تعليقات

جاري التحميل...