هل يرحل الديكتاتور بحل سياسي؟.. بقلم فاضل الحمصي

2٬884

انتهى مؤتمر جنيف 4 دون جديد يذكر، فالاجتماع كان لمجرد الاجتماع، والقرارات لم تكن ذات أهمية. النظام استمر بلعبته المفضلة “الإغراق في التفاصيل”، مع المراوغة والدخول إلى التفاوض بسقف عالٍ، وعدم تقديم أي تنازل، مهما كان بسيطاً، إلا بعد جولات طويلة من الأخذ والرد والضغوط من الدول الحليفة والصديقة له. وبالطبع كان من أهم نتائج المؤتمر الاتفاق على عقد مؤتمر جديد في وقت لاحق من الشهر الحالي!

سياسياً، وبعيداً عن المفاوضات وطقوسها، حيث أنها لا تقدم ولا تؤخر، وفي ظل وضع سوري معقد للغاية، ومرتبط بسياسات إقليمية ودولية، لا يبدو أن هناك جديداً يلوح في الأفق. ويبدو أن الجميع ينتظرون ما ستستقر عليه الأوضاع على الأرض، من أجل الشروع بالعملية السياسية المتفق عليها بين الدول المؤثرة أصلاً، والتي تنتظر لحظة البداية لا أكثر.

بالنظر إلى المواقف الدولية، وخصوصاً الدولتين العظميين، روسيا والولايات المتحدة، وهما من تمتلكان مفاتيح الحل، وتسعيان لفرض وجهة نظر معينة في سوريا، تبدو روسيا متمسكة ببقاء النظام على وضعه الحالي، وقد صرح نائب وزير الخارجية “ميخائيل بوغدانوف” نهاية شباط المنصرم أن “روسيا تسعى إلى المساعدة في بناء نظام علماني في سورية يأتي من طريق انتخابات حرة ونزيهة وشفافة تجري في الداخل والخارج، برعاية صارمة من جانب الأمم المتحدة. وأكد رفض موسكو وضع شروط مسبقة بينها رحيل بشار الأسد عن السلطة. متسائلاً عن “البديل المطروح” في حال رحيل الأسد”.

ويتضح من التصريح أن المشكلة في رئاسة النظام هي إيجاد البديل لضمان تحقيق الانتقال السياسي الذي يتم الحديث عنه، أما بشار ذاته فهو موضع تفاوض. وقبل سنوات كان لافروف قد صرح أن روسيا ليست متمسكة ببقاء بشار الأسد في الحكم.

أما الجانب الأمريكي، وبالتدقيق بالمواقف والتصريحات الرسمية الأمريكية خلال السنوات الماضية، نلاحظ أنها، وبشكل عام، كانت فضفاضة وتفتقر إلى المباشرة والدقة، باستثناء مواقف ثلاثة، أولها العزم على محاربة الإرهاب، وهذا ما بدأت به فعلاً في العام 2014 من خلال الحرب على داعش. والثاني هو إعلان الرئيس باراك أوباما في العام 2011 أن رأس النظام السوري “بشار الأسد” فقد شرعيته، وأن عليه الرحيل. أما الثالث فهو التأكيد الدائم على ضرورة التوصل إلى حل سياسي (مع التأكيد على ضرورة الابتعاد عن الحل العسكري)، يضمن انتهاء الحرب والانتقال إلى نظام ديمقراطي.

وفي أول كلام لأحد المقربين من الإدارة الأمريكية الجديدة، قال الجنرال الأمريكي “بول فاليلي”، والذي يعتبر مستشاراً لإدارة ترامب، خلال مؤتمر “فلداي” الذي أقيم نهاية شباط الماضي في العاصمة الروسية موسكو: “الأسد يجب أن يحال إلى التقاعد حتى يتم فتح الطريق أمام المصالحة الوطنية في عموم سوريا تمهيداً لتحقيق الأمن والاستقرار”، في تكرار لموقف أوباما الذي أعلنه منتصف العام 2011 عن ضرورة رحيل الأسد.

إذن، ومن حيث المبدأ، يتفق الروس والأمريكان على ضرورة إيجاد حل سياسي في سوريا، ورحيل بشار الأسد عن السلطة، مع تحفظ روسي على ضرورة إيجاد بديل مناسب. ويتزامن الحديث مع ضرورة الحفاظ على مؤسسات الدولة السورية، مع العلم أن الأسد مدعوم من أجهزة أمن فاسدة، ورحيله وحده قد لا ينهي الحرب، ولا يضمن السلام على المستوى المتوسط أو البعيد. فأجهزة الأمن، إن لم يتم تفكيكها، أو ضمان لجمها، قادرة على العودة للإمساك بزمام الأمور في أية لحظة، حتى بعد التوصل إلى حل سياسي. وبالتالي، يجدر ههنا طرح السؤال: “ما الفائدة من إزاحة الأسد والإبقاء على أجهزة الأمن التي كانت ذراع الأسد وأداته في قمع الشعب وممارسة الديكتاتورية؟ وهل من الممكن فعلاً إصلاح هذه الأجهزة بعد إعادة هيكلتها؟”

التجارب التاريخية القريبة المشابهة تقول إن إصلاح أجهزة الأمن ممكن، لكنه غير مضمون النتائج. فعلى سبيل المثال، انقلبت أجهزة الدولة العميقة على صناديق الاقتراع في مصر، وقامت بثورة مضادة أعادت الجيش إلى السلطة، وبالتالي أطاحت بنتائج ثورة يناير 2011، ليصل الشعب إلى تغيير الحاكم فقط مع الحفاظ على الفساد المستشري في أجهزة الدولة. وهذا الأمر، إن حدث في سوريا، فهو يعني إشعال الحرب مجدداً بعد إطفائها، ولكن بصورة أعنف، وبالتالي ذهاب جهود الحل السياسي هباءً.

وفي السياق ذاته، نجد أن أجهزة الأمن التي مارست القمع في دول أوربا الشرقية بقيت نفسها، ولم يتم حلها، بل جرى إعادة هيكلتها وإصلاحها، وإخضاعها للقانون، وهي حالياً أجهزة أمن طبيعية تمارس الصلاحيات المعطاة لها ولا تجرؤ على تجاوزها. وكذلك في تركيا، وقفت أجهزة الأمن في وجه العسكر، وكانت العامل الحاسم في إفشال الانقلاب على الديمقراطية، مع العلم أنها كانت، ولعشرات السنوات، من أسوأ أجهزة الأمن في العالم، ومن أكثرها قمعاً وفساداً.

على أية حال، وحسب اعتقادي، فإن أسوأ ما في النقاشات حول الحل السياسي في سوريا، ليس ضرورة رحيل الأسد من عدمه، وليس ضرورة حل الأجهزة الأمنية أو الحفاظ عليها، بل هو سعي دول العالم، ومنها الولايات المتحدة وروسيا، لفرض حل في سوريا، مع علم الجميع أن الفرض أمر غير ممكن، ولا بد من إشراك السوريين بتحديد مصير بلدهم، وبالتالي الوصول إلى حل يضمن الاستقرار لعقود قادمة.

خاص – المكتب الإعلامي لقوى الثورة السورية

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

تعليقات

جاري التحميل...