البركة بالشباب.. الثورة مستمرة… بقلم فؤاد عزام

75

الحرية هي المفردة التي شكلت التقاطع القيمي الإنساني والأخلاقي بين مكونات السوريين الذين انتفضوا ضد الطاغية، والثورة منذ بدايات شرارتها الأولى تجاوزت كل الأنماط الإيديولوجية المعروفة سابقاً والتي فشلت في إحداث أي نوع من التغيير سواء كانت يمينية أو يسارية أو قومية، فيما كان خلط الأوراق بالعسكرة والتطييف أمراً طارئاً لا يحتمل فعل الإستمرار وهو من طبيعة قوى الثورة المضادة.

لم يكن الدافع الرئيس لإندفاع الشباب من أجل إسقاط النظام هو أيديولوجي أو عقائدي، ولم يكن يدخل كذلك في إطار مفهوم الصراع الطبقي بشكل واضح، فلا انقسام حقيقياً في مجتمع جعل النظام صيغه مزيجاً بين مفهوم عصابة كانت تحكم في الظل وأصبحت علنية واضحة، وبين مؤسسات دولة شكلية غير محددة الخصائص تتأرجح بين العلاقات الإستهلاكية والنفعية والميليشياوية.

صحيح أن الثورة المدنية “أُفشلت” نتيجة التعاون والتآمر بين قوى الثورة المضادة وبين قوى خارجية لا ترغب بأن ترى الشعب وقد تحرر من نظام الأمر الواقع العنفي، إلا أنها خلقت منعطفا تاريخياً ملحمياً غير البلاد وجعلها لن تعود أبداً إلى ماكانت عليه في السابق رغم التحشيد العسكري الهائل الذي قام به النظام وحلفاؤه، وهذا بحد ذاته لم يكن ليصبح واقعاً لولا الطاقات الكبيرة التي نزفت سيما من شباب البلد الثائرين.

الثورة التي أدهشت بانطلاقتها حتى القوى الغربية رغم امكاناتهم الاستخبارية الضخمة ومراكز الدراسات، لم تغير البلاد فحسب بل أصاب تأثيرها مختلف دول العالم بحيث لا توجد دولة واحدة إلا وتحدثت عن سورية في الحد الأدنى أو انعكس مسار الثورة بشكل مباشر أو غير مباشر على أوضاعها.

المفاجأة أيضا بانطلاقة الثورة كانت من مكونات مختلفة من المجتمع السوري سيما النخب التي دجنت نفسها مع حالة تجميد المجتمع التي عمل عليها النظام بشكل ممنهج إلا أن روح الشباب الثائر شحذ العزيمة لما يحمله في الجوهر من رؤية مسالمة منفتحة عاشت التنوع والتعاون منذ قرون، وشعارها الأبرز كان الموت ولا المذلة.

ثمة رؤية أصابت بعضهم وتتمحور حول حالة إحباط نتيجة الدمار والقتل والتشريد الذي مارسه النظام على مدى السنوات الست الماضية، إلا أن هذه الرؤية المحقة في جوانب منها سيما الناتجة عن معاناة ذاتية في معظمها تؤسس بشكل أو بآخر لانطلاقة متجددة أحد أسسها أن النظام تآكل في معظمه ولن يستطيع البقاء لحظة واحدة دون دعائم روسيا وميليشيا إيران المتعددة الجنسيات، فالثورة لم تواجه استبداد النظام فقط بل تجمع استبداد الشرق ومتشددي الغرب لإجهاضها.

الجانب الآخر أيضا هو القدرة الخلاقة على الصمود سيما تلك التي أبداها الشباب من خلال مبادراتهم التي جوهرها إمكانية التعبير عن الذات وهو ما تفاعل من خلال الثورة باتجاه عقل جمعي وانصهار وطني ثوري جديد تم البناء عليه، ولم يبن على ما قبل 2011، فتلك المرحلة قد انتهت عملياً من تاريخ البلاد الحديث، وهذا هو الإنجاز الأهم، فبداية التغيير تبدأ بمأساة لكنها هي التي تؤسس من خلال تراكم التجربة والاستفادة منها للمرحلة التالية التي لن تكون بصعوبة مرحلة بدايات العسكرة والتطييف التي تبادل النظام والوجه الآخر وهو التشدد بعثرة عناوينها في المجتمع.

المفردات التي تحمل الألم والظلم والأنين هي ليست بالأساس من الطبيعة البشرية لجهة “الاستمرارية “، بل هي لحظية وآنية وتترافق مع القسوة والشدة، فكيف إذا كانت لجهة الشباب الذين وقفوا بصدور عارية أمام أعتى أنواع الأسلحة التي استخدمها النظام ضدهم خلال المظاهرات التي حملت الثورة المدنية، إنها الطاقة المتجددة للشباب الذين مازالوا يرفعون صوتهم في الداخل السوري ومخيمات ودول اللجوء والهجرة مثبتين أصالة السوريين وتمسكهم بالحياة من خلال اجتراحهم مبادرات وحلول خلاقة كتلك التي فجرت بركان الثورة.

خاص – المكتب الإعلامي لقوى الثورة السورية

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

تعليقات

جاري التحميل...