حسام وفرح: ثورة عشق في زمن الحرب

380

أرخى الليل سدائله على وجه مدينتهم المحاصرة في ريف حمص الشمالي، حلّ بهدوء لا يقطعه إلا صوت صاروخ هنا، وقذيفة هاون هناك، هو الوقت الذي تفضله “فرح” لتسامر زوجها “حسام بدرخان” حتى حلول الفجر، كأنما اتبعت خطة شهرزاد للهروب من الموت، إنما في قصتها، القاتل هو الطاغية، والموت يأتي من السماء بطائرات نظام الأسد وحليفه الروسي.

“حسام وفرح” شابان جمعتهما الأقدار في الثورة السورية، وفيها بدأت قصة حبهما، متحدية كافة ظروف الحرب المفروضة على كل من طالب بالحرية في مملكة الصمت.

وكان تحرير حسام من معتقله أول كلمة في سطور القصة التي جمعتهما، فبعد اعتقاله نحو ثلاث سنوات، في سجون النظام، كونه أحد المتظاهرين ضد نظام الحكم في سوريا، تعرف على فرح، وهي شابة في مقتبل العمر تعمل بمجال توثيق المعتقلين.

الحب والثورة يحتاجان رجالا تحميهما
وفي هذا الصدد، يقول “بدرخان” للمكتب الإعلامي لقوى الثورة السورية: “اعتقلت في فرع المخابرات الجوية، وحُوّلت منها إلى اللجنة الأمنية الرباعية، ثم تمت إعادتي إلى فرع المخابرات الجوية، ومنه إلى القضاء العسكري، وتنقلت بين فروع الأمن المختلفة لأخرج بعد ثلاثة أعوام”.

مشيرا إلى أن ظهور فرح في حياته أنساه بعض الألم والمعاناة النفسية والجسدية التي تعرض لها خلال فترة اعتقاله، أبسطها كان الضرب والشبح والحرق بأكياس النايلون المشتعلة والكهرباء.

بينما كان الأصعب بالنسبة له، سماع أصوات النساء تحت التعذيب والأشد كان عرض المعتقلات أمامه، وتهديده بأن مصير أهله سيكون كمصير تلك النساء، إن لم يعترف بما يملكه من معلومات على شاشات قنوات النظام، والتي ظهر عليها فعلا وقسرا وهو يعترف بأنه تعامل مع إسرائيل وتلقى دعما من سعد الحريري وأنه يتواصل مع عبد الحليم خدام.

وتابع، موضحا أنه تعرف على فرح عبر وسائل التواصل الإجتماعي، إذ كانت تعمل على توثيق بيانات المعتقلين في سجون الأسد، ليعجب كل منهما بالسيرة الثورية للآخر، ومنها اشتعلت جذوة الحب بينهما، ليعقدا قرانهما عبر السكايبي، إذ أن العروس كانت تقيم في العاصمة دمشق قبل الزواج، منوها إلى أنهما أغفلا الجانب المادي في زواجهما، بسبب التوافق الفكري والنفسي بينهما.

وعن حياتهما في ظل الحصار المفروض على ريف حمص الشمالي، أوضح “بدرخان” أن الحب كان أحد أهم أسباب الصمود في وجه الحصار ماديا ومعنويا ونفسيا، خاصة بعد تعرض منزلهما للسرقة أكثر من مرة، وقصفه بشكل مباشر فيما بعد، مما فاقم من وضعهما المادي، إلا أن الحب كان يخفف من الشعور بألم التشرد والفقر، ﻷن الحب بهكذا وضع يجعل العاشق يشعر أن قلب الحبيب هو الوطن وهو البيت وهو الملاذ، وحده الحب يجعل الفقير يقنع أن كل ضرورات هي رفاهيات يمكن الإستغناء عنها، ما دام الحبيب قريبا منه.

وأكد المصدر أن عشقه لزوجته لن يتغير بتغير الظروف المحيطة بهما، فالعشق نفسه لا يتجزأ ولا يتغير عندما يكون صادقا صافيا ونابعا عن قناعة بالآخر، أما الظروف المحيطة بالعاشق فهي تلعب دور التجميل والرفاهية فقط، وهو أمر لا يهم العاشق الحقيقي كثيرا، ﻷنه غالبا ما يكون مغيبا في بحور الحب عن المعاناة المعيشية والمشاكل الحياتية.

وبمناسبة الذكرى السادسة للثورة، جدّد “بدرخان” عهده بمتابعة مسيرته الثورية، معتبرا أن الحب والثورة وجهان لعملة واحدة، فكلاهما يحتاجان رجالا تحمي ما يعشقون، والعاشق الحقيقي لا يفرق بين ثورته وحبيبته ، فكلاهما عرضه وعليه صونه والدفاع عنه بروحه.

صامدون بالحب وبالثورة حتى النصر
من جهتها، كشفت “فرح” أنها تعرفت على حسام في معرض عملها كموثقة، ولفتها فيه إصراره على التمسك بالمبادئ التي يؤمن بها، وكانت أعماله في الثورة تشدها إليه شيئا فشيئا، مردفة أنه استمال قلبها بأسلوب خطابه الواعي والمثقف.

وعن رحلتها من العاصمة دمشق إلى المنطقة المحاصرة في الريف الشمالي لحمص، أضافت، أن خطيبها أرسل لها رسالة يطالبها باللحاق به على وجه السرعة إلى ريف حمص، بعدما ما فاق الاشتياق حدوده، ما دفعها لتوضيب أمتعتها وتوديع الأهل والأصدقاء والسفر إلى حمص، ومنها إلى الريف الشمالي، مشيرة إلى أن أصعب لحظة كانت عندما ودعت عائلتها، طالبة من والدها استيداعها عند الذي لا تضيع ودائعه.

وشبهت “فرح” منزلها في المنطقة المحاصرة، بالقصر، لوجود زوجها بقربها، الذي يهون عليها ظروف الحصار الصعبة، حتى أنه يمتنع عن الطعام بحجة الشبع في حال لم يكن لديهما ما يكفي منه، مؤكدة أنها مستعدة للعيش في ظروف أصعب من التي يعيشانها حاليا من قصف يومي طالما زوجها بالقرب منها، وأن هذه الظروف تزيد من تمسكهما ببعضهما البعض.

وبمناسبة الذكرى السادسة للثورة، تمنت “فرح” أن تعود الثورة كما كانت بدءا، للحرية ولله وليس مقابل السلطة أو المال، متيقنة أن الحق سينتصر مهما طال الزمن، وستبقى الثورة صامدة كما حبهما.

وفي ختام حديثها للمكتب الإعلامي لقوى الثورة السورية، وجهت فرح رسالة إلى زوجها قائلة: “سأحبك حتى آخر نفس بحياتي، ومهما تعقدت الظروف سأبقى قربك”.

ومع ظروف الحصار والحرب، نبتت في رحم المعاناة قصة حب لتكبر وتصمد، كياسمينة دمشقية في عمق الصحارى، مؤكدة أنه فوق بحر الدماء التي سالت في سوريا، لازال هناك متسع للحب، ورغم المآسي المتلاحقة والموت المهيمن، لازال هناك وقت للحياة وللأمل.

مي الحمصي
خاص – المكتب الإعلامي لقوى الثورة

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

تعليقات

جاري التحميل...